القائمة الرئيسية

الصفحات

شهادات من الجحيم (7) من السجن إلى النضال... كيف حوّل الناجون معاناتهم إلى معركة من أجل الحقيقة؟

      


لم يكن الإفراج عن المختطفين الصحراويين سنة 1991 نهاية لمعاناتهم، بل كان بداية مرحلة جديدة من النضال لكشف جرائم الاحتلال المغربي في حق الشعب الصحراوي، حملوا فيها ذاكرة مثقلة بسنوات الاعتقال والاختفاء القسري، وآثارًا جسدية ونفسية تركتها المعتقلات السرية التي أمضوا فيها سنوات طويلة بعيدًا عن أسرهم والعالم الخارجي.
لكن كثيرًا من أولئك الناجين اختاروا ألا تكون تجربتهم مجرد ذكرى شخصية، بل حولوها إلى رسالة للدفاع عن حقوق الإنسان في الصحراء الغربية المحتلة، وحفظ ذاكرة الضحايا، وكشف ما عاشوه داخل مراكز الاحتجاز السرية المغربية.

من ضحية إلى شاهد
بعد سنوات من الصمت القسري، وجد الناجون أنفسهم أمام مسؤولية جديدة؛ مسؤولية رواية ما حدث من فظاعات وجرائم.
لقد أدركوا أن ما عاشوه لم يكن تجربة فردية، بل جزءًا من مرحلة تاريخية مست آلاف الأسر الصحراوية، وأن توثيقها أصبح واجبًا تجاه رفاقهم الذين فقدوا حياتهم داخل المعتقلات السرية المغربية، أو الذين رحلوا بعد الإفراج عنهم متأثرين بسنوات التعذيب والحرمان.
ومن هنا، بدأت مرحلة الشهادات، واللقاءات الحقوقية، والندوات، والمؤتمرات، التي نقل فيها المعتقلون السابقون تفاصيل ما عاشوه، كما يروونه هم، حتى لا تضيع تلك الأحداث في زحمة الزمن.

فاطمتو دهوار... صوت النساء داخل المعتقلات
كانت المناضلة فاطمتو محمد عالي دهوار واحدة من أبرز الأصوات التي كرست حياتها بعد الإفراج عنها للدفاع عن حقوق الشعب الصحراوي وفضح الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المناطق المحتلة.
فبعد أكثر من خمسة عشر عامًا من الاختفاء القسري، قدمت شهادات حية عن ظروف اعتقال النساء الصحراويات، وما تعرضن له، داخل السجون المغربية، من تعذيب ومعاملة قاسية داخل المعتقلات السرية.
كما حرصت على نقل معاناة الأسر الصحراوية التي عاشت سنوات طويلة دون معرفة مصير أبنائها، معتبرة أن كشف الحقيقة وحفظ الذاكرة يمثلان جزءًا من إنصاف الضحايا وفضح الاحتلال.
ولم تقتصر مداخلاتها على الحديث عن سنوات الاعتقال، بل تناولت أيضًا أوضاع حقوق الإنسان في الصحراء الغربية، وربطت بين تجربتها الشخصية وما كانت تعتبره استمرارًا لمعاناة المدنيين الصحراويين.

بشرايا أبا حازم... ذاكرة لا تنسى
أما المناضل بشرايا أبا حازم، فقد حمل معه ذاكرة أكثر من عشر سنوات من الاختفاء القسري، وجعل منها شهادة موثقة.
وفي سلسلة "ناجون من الموت"، روى تفاصيل الاعتقال، والتحقيق، والنقل إلى معتقلي أكدز وقلعة مكونة، وسنوات الجوع والتعذيب والعزلة، مؤكدًا أن هدفه من الحديث لم يكن استحضار الألم، وإنما حفظ الحقيقة كما عاشها وفضح جرائم الاحتلال المغربي في حق الشعب الصحراوي. 
التوثيق... حماية للذاكرة
أسهمت شهادات الناجين، إلى جانب جهود المدافعين عن حقوق الإنسان، في حفظ جانب مهم من الذاكرة المتعلقة بسنوات الاختفاء القسري في الصحراء الغربية.
فقد تحولت هذه الشهادات الشخصية إلى مصدر يعتمد عليه الباحثون والمهتمون بتاريخ الشعب الصحراوي، وإلى مادة توثق أسماء الضحايا، وأماكن الاحتجاز، وظروف الاعتقال، كما يرويها أصحابها.
وأصبحت هذه الشهادات تمثل جزءًا من الذاكرة الجماعية للشعب الصحراوي، لأنها لا تنقل الأحداث من منظور نظري، بل من خلال أشخاص عاشوا التجربة بكل تفاصيلها.

رسالة إلى الأجيال الجديدة
يؤكد كثير من الناجين، في شهاداتهم، أن توثيق تلك المرحلة لا يهدف إلى استعادة الألم فقط، بل إلى نقل الحقيقة إلى الأجيال التي لم تعش تلك السنوات.
فالشعوب، كما يرون، لا تحفظ تاريخها بالوثائق الرسمية وحدها، وإنما أيضًا بالشهادات الإنسانية التي تنقل تفاصيل الحياة اليومية، والمعاناة، والصمود، والأمل.
ومن هذا المنطلق، ظل الناجون يعتبرون أن الحديث عن المعتقلات السرية هو مسؤولية أخلاقية تجاه من غابوا، وتجاه الأجيال القادمة، حتى لا تتحول تلك التجارب إلى صفحات منسية.

الشهادة... انتصار على الصمت
لقد أرادت سنوات الاختفاء القسري أن تجعل من الضحايا أرقامًا مجهولة، لكن الناجين قلبوا المعادلة، وحولوا صمت الزنازين إلى شهادات، والعزلة إلى ذاكرة، والمعاناة إلى رواية يورثونها للأجيال.
وبقيت شهادات فاطمتو دهوار وبشرايا أبا حازم، وغيرهما من المعتقلين السابقين، شاهدة على مرحلة من أكثر مراحل تاريخ الشعب الصحراوي قسوة، تؤكد أن السجون المغربية قد تحبس الإنسان سنوات، لكنها لا تستطيع أن تطفئ صوته حين يحين وقت الحقيقة.
في الحلقة الثامنة والأخيرة من سلسلة "شهادات من الجحيم"، نتوقف عند أهمية الذاكرة الوطنية، وكيف تحولت شهادات الناجين إلى جزء من التاريخ الشفهي للشعب الصحراوي، وإلى وثائق تحفظ أسماء الضحايا وقصصهم للأجيال القادمة.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...