القائمة الرئيسية

الصفحات

الدكتور غالي الزبير يرد على كذب " الهاشمي" الحامدي : عندما يتحول السؤال إلى دليل على الجهل



أن يكون الإنسان مخطئًا فذلك أمر وارد، أما أن يحول خطأه إلى مادة للاستعراض، ويكرر طرحه بثقة لا تستند إلى معرفة، فتلك مشكلة أكبر. وهذا، في تقديري، هو ما تعكسه المواقف الأخيرة للإعلامي التونسي محمد الهاشمي بشأن قضية الصحراء الغربية، وهو يكرر، بحماسة لافتة، الرواية الرسمية للمخزن، على نحو لا يختلف كثيرًا عن الخطاب الذي يردده عدد من صناع المحتوى والإعلاميين المرتزقة الذين أصبحوا يهاجمون الشعبين الصحراوي والجزائري مقابل تبني الرواية المغربية وتكرارها والاسماء هنا معروفة للجميع.

وقد نشر الهاشمي على صفحته في "فيسبوك" سؤالًا قال فيه: «سؤال بسيط للإخوة الجزائريين الذين يهاجمونني: هل تستطيعون ذكر اسم كاتب واحد، أو شاعر، أو صحفي، أو أستاذ جامعي، أو سياسي، من القاهرة إلى جاكرتا، يؤيد موقف الجزائر الداعم للبوليساريو، ويدعم إقامة دولة سادسة في المغرب الكبير؟ اسم واحد فقط!».
هذا السؤال، في حد ذاته، يكشف أكثر مما يثبت. فهو يفترض ابتداءً أن غياب الأصوات العربية المؤيدة – إن صح هذا الافتراض – يمكن أن يكون دليلًا على بطلان حق الشعب الصحراوي، وهو استنتاج لا يستقيم لا منطقيًا ولا سياسيًا.
ثم إن الهاشمي يعلم، كما يعلم غيره، أن مساحة حرية التعبير في جزء كبير من العالم العربي ليست مفتوحة، وأن كثيرًا من الكتّاب والإعلاميين والأكاديميين يعملون في بيئات تخضع لرقابة سياسية وإعلامية تجعل الخروج عن الرواية الرسمية في القضايا الحساسة أمرًا بالغ الكلفة. ولذلك فإن قياس عدالة قضية ما بعدد الأصوات العربية المعلنة ليس معيارًا علميًا ولا أخلاقيًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضية خضعت، وما تزال، لحصار إعلامي واسع في المنطقة العربية.
والأغرب من ذلك أن الهاشمي حصر العالم بين القاهرة وجاكرتا، وكأن العالم ينتهي عند هذا الامتداد الجغرافي، متجاهلًا أن قضية الصحراء الغربية حظيت بتأييد واسع من مفكرين وأكاديميين وسياسيين وحقوقيين في مختلف قارات العالم، بمن فيهم شخصيات مرموقة وحائزون على جائزة نوبل، دافعوا عن حق الشعب الصحراوي في الحرية وتقرير المصير باعتباره حقًا تقره الشرعية الدولية.
أما إذا أصر صاحب السؤال على طلب أمثلة من العالم العربي، -حتى وإن كان السؤال موجه لاخوتنا الجزائريين - فأقول له، إن الأمثلة موجودة أيضًا، وليس مثالًا واحدًا كما طلب، بل عشرات الأمثلة. فمن لبنان نجد الكاتبة ليلى بديع، صاحبة كتابي «البوليساريو... قائد وثورة» و«أضواء وملامح  من الساقية الحمراء ووادي الذهب » ومن سوريا الكاتب نبيل الملحم، صاحب كتاب «البوليساريو: الطريق إلى المغرب العربي»، والروائية حميدة نعنع، مؤلفة رواية «من يجرؤ على الشوق» والأديب' عبد الوهاب حقي من سوريا أيضا مؤلف كتاب "البوليساريو جيش وشعب". ومن العراق الكاتبان زهير الجزائري وفالح عبد الجبار، مؤلفا كتاب «البوليساريو... بشر بلا أرض... أرض بلا بشر». ومن مصر الكاتب محمد عصمت بكر، صاحب كتاب «الشعب الصحراوي... قصة كفاح»، إضافة إلى الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، المعروف بمواقفه المؤيدة لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير وفقًا للقانون الدولي.
وهؤلاء ليسوا سوى نماذج معروفة، تضاف إليهم أسماء عديدة من الجزائر وموريتانيا وغيرها من البلدان العربية، فضلًا عن مئات الباحثين والأكاديميين والحقوقيين وحملة جائزة نوبل في أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين وآسيا واستراليا، الذين تناولوا القضية الصحراوية من منظور قانوني وتاريخي وسياسي، وانتهوا إلى تأييد حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
من حق محمد الهاشمي أن يتبنى أي موقف سياسي يراه، وأن يدافع عنه كما يشاء، لكن من حق القارئ أيضًا أن ينتظر منه حدًا أدنى من المعرفة قبل إطلاق الأحكام أو طرح الأسئلة الاستعراضية. فالقضايا التاريخية الكبرى لا تُحسم بمنشور على "فيسبوك"، ولا بالشعارات، ولا بتحديات من نوع "اذكر اسمًا واحدًا"، وإنما تُناقش بالوثائق، والبحوث، والوقائع، واحترام عقول القراء.
إن عدالة القضايا لا تُقاس بعدد المؤيدين لها في مرحلة زمنية معينة، وإلا لما انتصرت حركات التحرر الوطني في الجزائر وجنوب إفريقيا وناميبيا وتيمور الشرقية، وهي قضايا عرفت، في مراحل مختلفة، عزلة إعلامية وسياسية، بل وتعرض المدافعون عنها للتشويه والاتهام، قبل أن يثبت التاريخ وتؤكد الشرعية الدولية عدالة مطالبها.
فالحقوق لا تُمنح بالتصويت، ولا تسقط بقلة من يدافع عنها، وإنما تستند إلى القانون، والوقائع التاريخية، والإرادة الحرة للشعوب. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: «كم عدد من يؤيد القضية الصحراوية؟»، بل: «ماذا يقول القانون الدولي؟ وماذا تقرره الأمم المتحدة؟ وما هو الحق الذي يملكه الشعب الصحراوي وفق قواعد تصفية الاستعمار؟».

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...