القائمة الرئيسية

الصفحات

تحول الخطاب الأمريكي تجاه قضية الصحراء الغربية: من الاندفاع إلى الواقعية

 


أتابع بدقة تطور الخطاب السياسي الأمريكي تجاه قضية الصحراء الغربية، وقد أشرت في مقابلات عدة إلى مؤشر لافت: تراجع حدة الخطاب الأمريكي تجاه جبهة البوليساريو والشعب الصحراوي. ويمكن تفكيك هذا التحول عبر تحليل مواقف الشخصية الأكثر احتكاكا بالملف؛ مبعوث الرئيس ترامب لإفريقيا والشرق الأوسط، والمكلف بالوساطة بين جبهة البوليساريو والاحتلال المغربي، مسعد بولس.

محاولة فرض الشروط (مرحلة ما بعد القرار 2797)

عقب مناقشة مجلس الأمن الدولي للقضية 31 أكتوبر 2025، بدت الإدارة الأمريكية مندفعة لفرض المقترح المغربي كحل وحيد. ويتجلى هذا التوجه في تغريده (انظر الصورة) المبعوث الأمريكي، مسعد بولس، عقب المصادقة على القرار 2797، والتي جاء فيها:

"ترحب الولايات المتحدة بالتصويت التاريخي الذي جرى اليوم لتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) لمدة عام، ونتطلع إلى دعم المفاوضات الرامية إلى تحقيق السلام في الصحراء الغربية. وأؤيد دعوة الرئيس ترامب لجميع الأطراف إلى الانخراط في مفاوضات دون تأخير للتوصل إلى حل دائم، حل يقوم على الحكم الذاتي الحقيقي في ظل السيادة المغربية، استنادا إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي الموثوق والواقعي. وأتفق تماما مع جلالة الملك محمد السادس على أهمية إطلاق حوار أخوي بين المغرب والجزائر لحل هذه القضية وبناء علاقات جديدة قائمة على الثقة. وفي ظل قيادة الرئيس ترامب، تظل الولايات المتحدة ملتزمة بالعمل مع جميع الأطراف لتحقيق سلام عادل ودائم".

عكست هذه التغريدة قصورا أمريكيا في استيعاب تعقيدات الملف، وارتكزت على فرضيتين:

1. الاستقواء بخلل التوازن العسكري: النظر إلى الطرف الصحراوي كحلقة أضعف يمكن إجبارها على القبول بطرح المحتل المغربي، امتدادا لصفقات مقايضة التطبيع المغربي مع إسرائيل مقابل الدعم الأمريكي.
2. تسطيح القضية: تصوير تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية كنزاع ثنائي (جزائري-مغربي). وهو ما اتضح في تصريح كبير مستشاري ترامب، ستيف ويتكوف (20 أكتوبر 2025)، حين ادعى قدرة الإدارة على هندسة مصالحة بين البلدين في غضون 60 يوما تنهي الأزمة. وبناءً على هذه الرؤية القاصرة، تبنى مسعد بولس دعوة العاهل المغربي لـ "الحوار الأخوي".

اصطدام الاندفاع بالواقع القانوني والميداني

سرعان ما أدركت واشنطن عدم واقعية هذا التصور. ويعود هذا التراجع إلى ثبات وفد جبهة البوليساريو خلال جولات الحوار الثلاث التي جرت في الولايات المتحدة وإسبانيا، وتمسكه بالشرعية الدولية وحق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير المصير.

أثبت هذا الصمود للإدارة الأمريكية استحالة فرض حل قسري، ولم تعد الصفقات أو التنازلات أو المغريات التي يقدمها المحتل المغربي ـ سواء في تعميق التطبيع مع إسرائيل، أو الانخراط في "مجلس سلام ترامب" في غزة بتمويل يصل إلى 20 مليون دولار، أو حتى إرسال شرطة النظام المغربي لقمع الشعب الفلسطيني في غزة ـ كافية لشرعنة الاحتلال أو تجاوز إرادة الشعب الصحراوي.

مؤشرات التغير في الخطاب الأمريكي

يتجلى التراجع الواضح في الحماس الأمريكي لدعم أطروحة الاحتلال المغربي في الموقف الصادر عن المبعوث مسعد بولس بتاريخ 11 يونيو 2026، عقب لقائه مبعوث الأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية ستيفان دي ميستورا، حيث غرد قائلا:

"اجتماع مثمر مع ستيفان دي ميستورا، مبعوث الأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية. ناقشنا استراتيجيات لتعزيز تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، وتحديدا سبل مساعدة الأطراف على التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين. لقد استمر نزاع الصحراء الغربية لأكثر من خمسين عاما، وكما أكد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، ينبغي على الأطراف التوصل إلى حل عاجل".

مقارنة تحليلية بين الموقفين تكشف التالي:

غياب المرجعية المغربية: خلا الخطاب الأمريكي تماما من أي إشارة لمقترح الحكم الذاتي للمحتل المغربي أو التأكيد على "السيادة المغربية المزعومة".
إعادة الاعتبار للشرعية الدولية: جرى التركيز على حل سياسي "مقبول من الطرفين"، مما يعيد القضية إلى مربعها الصحيح كنزاع بين طرفين متكافئين (قوة احتلال وشعب مُحتلة أرضه يقاوم) برعاية أممية.
نقل المسؤولية: تحول الدور الأمريكي من محاولة فرض إملاءات أحادية تخدم المحتل المغربي إلى دعوة الأطراف لتحمل مسؤولياتها ("ينبغي على الأطراف التوصل إلى حل عاجل").
يثبت هذا التحول أن الدبلوماسية الأمريكية بدأت تتخلى عن مقاربتها السطحية السابقة، لتتبنى رؤية أكثر واقعية تقر بأن تجاوز حقوق الشعب الصحراوي لن يقود إلى حل نهائي أو مستدام.
الباحث الاكاديمي: البشير محمد لحسن

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...