لم يكن مجرد عنوان لمقال كتبه وهو في الصف الثالث الثانوي، فنال استحسان أستاذه وزملائه. يومها بدت أفكار المقال جلية في عرضها، متماسكة في بنائها، تنتقل بسلاسة من المقدمة إلى صلب الموضوع ثم إلى الخاتمة، في صورةٍ عكست وضوح الروية ونضج الفكر لدى كاتبه. غير أن أحدًا لم يكن يدرك آنذاك أن ذلك "المنوال" لن يبقى حبيس الأوراق أو أسوار المدرسة، بل سيمتد ليصبح نهج حياةٍ ومسار نضال، تنسج خيوطه من معاني الحرية والتضحية والوفاء .
وفي الجامعة رسم الشهيد، بإذن الله، الرفيق لحبيب محمد عبد العزيز (وليدو) معالم التضحية في سبيل الكفاح الوطني، متأثرًا بسير الشهداء الشباب أمثال الشهيد "سيدي حيذو" ومستحضرا قصصا مختلفة من معارك حرب التحرير، أبانت (القصص) عن تنشئة ثورية تشبّع بها الشاب اليافع في بداية حياته، وأطرتها (التنڜيئة) تربية متجذرة في عروق الهوية الوطنية الصحراوية الأصيلة أبا عن جد، زاده في مسيرته، والبوصلة التي اهتدى بها حتى بلغ مقام الشهادة والخلود الابدي.
واليوم ترتقي روحه الطاهرة، وهو الصادق إذا تحدث، والوفي إذا وعد، والناصح والأخ والصديق وقت الضيق,مندفعا في إطار المصلحة العامة، صبورا ومتفانيا، مرحا ومسرورا عند الفرح، و رياضيا بامتياز، مراوغا بارعا في منطقة الهجوم مهما كان العدو. ينزعج عند الهزيمة، ويتحمل نتائجها، ويرضى عند إلقاء اللوم، مقتنعًا بأن فاتورة قيادة المشروع الوطني تدفعها جميع أفراد العائلة.
اختار طريق التضحية منذ البداية، وحتى قبل نهاية الدراسة، مقتنعا بانها الطريق الوحيد للوفاء بعهد الشهداء. فرغم كل الفرص المتاحة، اختار، وبقناعة تامة، فرصة العمر الواحدة.
وعلى نفس المنوال الذي آمن به منذ البدايات، مضى ثابت الخطى نحو غايته، متقدما صفوف رفاقه، مع أولئك الذين حملوا أكفانهم على أكتافهم، واستصغروا أعمارهم في سبيل وطنهم. عزاونا فيهم أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، كما وعد الله الشهداء: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾.
هم السابقون إلى ميادين الخلود، ونحن ـ بإذن الله ـ على العهد باقون، ولذكراهم أوفياء، وبنهجهم متمسكون.
رحم الله معشر الشهداء، وجزاهم عنا وعن وطنهم خير الجزاء، وجعل ذكراهم نورًا يهدي الأجيال، وعطرًا يعبق في صفحات التاريخ.
يعتصر القلب حزنا
و لكن قضاء الله و قدره.
محمد سالم عمار
