القائمة الرئيسية

الصفحات

جيل لا يملك رفاهية الحياد



لم يعد ممكناً اليوم الاكتفاء بخطابٍ مريح يوازن بين كل شيء دون أن يلتزم بشيء. فالقضية الصحراوية، كما عاشها الآباء وكما دفع ثمنها الشباب الذين رحلوا، ليست ملفاً عادياً في رفوف السياسة، بل مسارا تاريخيا قائما على التضحيات، وعلى فكرة مركزية بسيطة لكنها قاسية: لا وجود للحقوق دون ثمن.
وحين يسقط شباب مثقفون ومتعلمون (القيادي لحبيب ورفيقيه السالك وغالي) وهم متمسكون بقناعاتهم حتى النهاية، فإن ذلك لا يجب أن يُقرأ بوصفه لحظة حزن فقط، بل بوصفه صفعة فكرية لعدد كبير من الشباب الصحراوي الذي يعيش اليوم في منطقة رمادية مريحة: يرفع الشعارات حين يشاء، ويختبئ خلف الصمت حين تقتضي اللحظة موقفاً، ويحوّل النضال إلى هوية رقمية لا تترتب عنها أي مسؤولية حقيقية.
لقد تحوّل الفضاء الرقمي عند كثيرين من هؤلاء من أداة إلى ملاذ. من ساحة دعم إلى ساحة بديلة. من وسيلة إلى غاية. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: أن تُختزل القضية في منشورات، وأن يُختزل الالتزام في تفاعل، وأن يُختزل التاريخ في تعليق سريع يُكتب ثم يُنسى.
إن الشباب المقاتل الذين قدموا حياتهم يوم السابع يونيو الجاري ليسوا مجرد ذكرى تُستحضر في المناسبات، بل معيار يُقاس عليه صدق الانتماء. ليسوا مادة للخطابة، بل سؤالاً مفتوحاً أمام كل من يظن أن الانتماء يمكن أن يُمارس دون كلفة ودون ثمن.
إن المرحلة أيها الشباب الصحراوي لم تعد تحتمل ازدواجية المواقف: وعيٌ رقمي بلا أثر، وحماسٌ لفظي بلا التزام. فإما أن يكون الانخراط في القضية فعلاً يُرى في الواقع، أو أن يتحول إلى ضجيج لا يغيّر شيئاً في ميزان التاريخ. فالفضاء الافتراضي ليس وطنًا بديلاً، والثورة ليست منشورا، والنضال ليس تعليقا، والالتزام ليس صورة شخصية وشعارا مكتوبا.
ولهذا فإن الرسالة اليوم واضحة وقاسية في آن واحد: لا مكان لجيل يكتفي بدور المتفرج. ولا قيمة لانتماء لا يُختبر في الميدان الحقيقي للحياة السياسية والاجتماعية والتنظيمية. فالقضايا الكبرى لا تنتظر، والتاريخ لا يعترف بالنيّات الحسنة، بل بالنتائج الفعلية.
وإذا كان للشباب أن يستخلص درساً من تضحيات من سبقوه، فهو أن الانتماء ليس إعلان موقف، بل تحمل عبء موقف. وأن القضية لا تُعاش بالكلمات، بل بالفعل المستمر، واليوم، حين يرحل شباب مثقفون ومتعلمون وهم متمسكون بقناعاتهم الوطنية حتى اللحظة الأخيرة، فإن رسالتهم الحقيقية ليست في رحيلهم فقط، بل في الأسئلة التي يتركونها للأحياء.
إن السؤال الذي تطرحه تضحيات الشباب الذين رحلوا ليس: كم منشورًا كتبنا؟ ولا كم صورة نشرنا؟ بل ماذا أضفنا فعليًا إلى قضية شعبنا؟ ماذا قدمنا لمجتمعنا؟ وما هو نصيبنا من المسؤولية الجماعية؟
إن أخطر ما يهدد أي حركة تحرر ليس خصمها الخارجي، بل التحول الداخلي نحو الاستسهال: استسهال الكلام بدل الفعل، واستسهال الموقف الرمزي بدل المساهمة الواقعية، واستسهال الادعاء بدل الإنجاز، حتى يصبح الحديث عن التضحية أكبر من الاستعداد لتحمل المسؤولية. وأخطر ما يمكن أن يصيب أي جيل هو أن يكتفي بمراقبة التاريخ بدل المشاركة في صناعته. إن جيل اليوم لا يملك رفاهية الحياد.
بقلم: محمد فاضل الهيط

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...