القائمة الرئيسية

الصفحات

محمد عبد العزيز... رحيلٌ يأبى النسيان

                       


في الذكرى العاشرة لرحيل الزعيم محمد عبد العزيز، لا يستحضر الصحراويون مجرد اسمٍ مرّ في تاريخ القضية، ولا مجرد قائدٍ تعاقب على المسؤولية في مرحلة من أكثر مراحل الكفاح تعقيدًا، بل يستحضرون رجلًا التصق اسمه بفكرة الصمود ذاتها، حتى أصبح حضوره جزءًا من الذاكرة الجماعية لشعبٍ كامل.
لقد كان من القادة القلائل الذين لم يسعوا يومًا إلى صناعة المجد الشخصي، ولم يسمحوا بتحويل القيادة إلى منصة للتقديس أو صناعة الهالات الفارغة. لم يكن من أولئك الذين تُبنى حولهم الجدران العالية، وتُنسج لهم الأساطير، وتُفتح أمامهم أبواب التطبيل والتملق. بل ظلّ، رغم طول سنوات القيادة وثقل المسؤولية، قريبًا من الناس إلى درجة بدت معها العلاقة بينه وبين الصحراويين علاقة طبيعية لا تفصلها الحواجز الرسمية ولا بروتوكولات الزعامة.
كان يدرك أن قيمة القائد لا تُقاس بعدد المصفقين من حوله، بل بقدرته على البقاء صادقًا مع شعبه ومع قضيته. لذلك لم يتحول يومًا إلى “صورة معلّقة” أو “زعيم معزول” يعيش بعيدًا عن نبض الواقع، بل ظل حاضرًا في التفاصيل اليومية للحياة الوطنية، يتابع، يناقش، يوجّه، ويشارك في إدارة مختلف الملفات، من الجبهة العسكرية إلى الشأن المدني، ومن السياسة الخارجية إلى هموم المواطن البسيط داخل المخيمات.
لقد كانت تجربته النضالية طويلة وقاسية، محفوفة بالحرب والمنفى والحصار والرهانات الثقيلة، لكنها صنعت منه قائدًا يعرف جيدًا معنى التضحية. وكانت الجراح التي حملها على جسده شاهدًا حيًا على مرحلة كاملة من الكفاح، لا مجرد آثار حرب عابرة. فقد خاض المعركة من الميدان، وعرف قسوة الخنادق، واختبر بنفسه معنى المواجهة، ولذلك امتلك تلك القدرة الخاصة على قيادة الرجال في اللحظات الصعبة، لأنه لم يكن يطلب من الآخرين ما لم يكن مستعدًا لتحمله بنفسه.
ورغم كل ما منحته له القيادة من مكانة رمزية، بقي الرجل محتفظًا بقدر كبير من التواضع الإنساني. كان قريبًا من الشيوخ، يصغي إليهم باحترام، ويعامل البسطاء بعفوية صادقة، ويمنح الأطفال اهتمامًا إنسانيًا نادرًا عند كثير من القادة. لم يكن يتعامل مع الناس من موقع التفوق أو الاستعراض، بل من موقع الانتماء إليهم. ولهذا ظلّ حضوره في الوجدان الصحراوي مختلفًا، ليس فقط كرئيس أو قائد سياسي، بل كأحد أبناء هذا الشعب الذين حملوا همّه حتى النهاية.
ولعل أكثر ما ميّز شخصية محمد عبد العزيز أنه لم يكن قائد المناسبات والخطابات فقط، بل قائد الفعل اليومي. كان حاضرًا في تفاصيل العمل العسكري كما في تفاصيل الإدارة المدنية، يتابع قضايا التنظيم والتعليم والصحة والدبلوماسية، ويعتبر أن معركة التحرير ليست بندقية فقط، بل بناء إنسان قادر على الصمود والاستمرار. ولذلك لم تكن القيادة بالنسبة إليه امتيازًا شخصيًا، بل مسؤولية دائمة تستنزف صاحبها قبل غيره.
وعلى امتداد سنوات طويلة، واجه الرجل ظروفًا شديدة التعقيد؛ تحولات إقليمية ودولية، ضغوطًا سياسية، محاولات إنهاك القضية، وتحديات داخلية لا تقل صعوبة. ومع ذلك، استطاع أن يحافظ على تماسك المشروع الوطني الصحراوي في واحدة من أكثر الفترات حساسية، وأن يبقي القضية حيّة في المحافل الدولية، رغم اختلال موازين القوى وقسوة العزلة التي حاول كثيرون فرضها على الشعب الصحراوي.
وفي زمن أصبحت فيه الزعامة لدى كثيرين مرادفًا للبذخ والظهور والاستعراض، ظلّ محمد عبد العزيز يمثل نموذجًا مختلفًا؛ نموذج القائد الذي عاش ببساطة، وتحرك ببساطة، وتحدث ببساطة، لكنه حمل في داخله إيمانًا عميقًا بقضية شعبه. لم يكن كاملًا، فالكمال ليس من صفات البشر، لكنه كان وفيًا لمسار طويل من النضال، ومخلصًا لفكرة التحرير كما آمن بها منذ البدايات الأولى.
عشر سنوات على الرحيل، وما يزال اسم محمد عبد العزيز حاضرًا كلما ذُكرت سنوات الحرب، والصمود، وبناء المؤسسات، والحفاظ على وحدة الصف الوطني في أحلك الظروف. ذلك لأن الرجال الذين يتركون أثرهم الحقيقي لا يحتاجون إلى الضجيج كي يبقوا، بل يكفي أن يكونوا قد عاشوا بصدق، وقادوا بصدق، ورحلوا تاركين خلفهم ذاكرة يأبى الزمن أن يطويها، ورحيلًا يأبى النسيان.
سلامة مولود اباعلي.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...