القائمة الرئيسية

الصفحات

سقوط الشهيد القائد لحبيب : "حرب الذاكرة وصناعة المستحيل من ميدان الشرف إلى ساحات السوشيال ميديا.."

  

سقوط الشهيد القائد لحبيب   : "حرب الذاكرة وصناعة المستحيل من ميدان الشرف إلى ساحات السوشيال ميديا.."
حين سقط الشهيد القائد لحبيب، ابن الزعيم الرئيس المؤسس محمد عبد العزيز، في ميدان الشرف، لم يكن المشهد مجرد رحيل قائد عسكري. بل كان حدثاً حدودياً أعاد فتح ملفات كبرى: ماهية التضحية، صراع الروايات، واستراتيجيات العدو التي تنتقل من سلاح الجو إلى السوشيال ميديا.

في زمن تتحول فيه الشهادة إلى سلعة، والمعارك إلى "ترندات"، تبرز حرب أكثر عمقاً: حرب الذاكرة.

ثمة فرق جوهري بين منطقين: منطق "يقدم روحه قرباناً"، ومنطق "يتاجر بدماء الشهداء". الأول، كما في فلسفة العطية عند باتاي، يؤسس لقيمة لا تُقاس بالنفع. والثاني، كما في رأسمالية السوشيال ميديا، يحوّل كل شيء – حتى الموت – إلى مادة للاستهلاك الإعلامي، أي "سلعة".

العدو الذي "يعدم القيم" لا يكتفي بالقتل الجسدي، بل يحاول قتل المعنى. يريد تحويل الشهيد من رمز للكرامة والحرية إلى خبر عابر في نشرة أخبار، بل يحاول خلق تحوير في رد الفعل باستعمال أساليب وأدوات لتشتيت الانتباه عن يديه المخصبتين بدماء الأبرياء والأحرار من أبناء شعبنا، حيث تكتمل عناصر الجريمة الكبرى.

حرب الذاكرة هي صراع الحق والبطل، صراع أزلي محسوم عبر التاريخ.
وطبعاً، "نحن كشعب لا نملك ذاكرة سمك" – عبارة تختزل فلسفة الصراع. الذاكرة الصحراوية ليست عابرة ولا انتقائية. إنها ذاكرة جينية، منقوشة في الوعي الجمعي. إننا نتذكر جيداً، نحن الجيل الثالث للثورة، كيف كانت الظروف وكيف كانت الشروط بالأمس. وربما هي نفس المحددات التي جربها الأعداء قبل خمسين سنة: نفس التحالفات، نفس السرديات، نفس الأدوات، هي ذاتها جميعاً، يُعاد اجترارها اليوم بنسخة سمجة، دون أن يستوعبوا أن كل المؤامرات تحطمت أمام إرادة شعبنا وتماسكه. أو ربما في الحقيقة هو يعي ذلك جيداً، ولكن الأزمة البنيوية في الداخل المغربي – أي الواقع المعيشي والاقتصادي المزري – تفرض على النظام خلق هذا الواقع الاستعماري. لذلك يحاول العدو فرض "ذاكرة معطوبة": ينسى جرائم الترحيل والقصف، ويتذكر فقط ما يخدم مخططاته. هذا ما يسميه بول ريكور "بنسيان القتل"، وهو شكل من أشكال العنف الرمزي الذي لا يقل خطورة عن العنف العسكري.
هكذا هي الصورة بشكل عام منذ الاجتياح العسكري لأرض الصحراء الغربية، والعنصر الجديد هو السوشيال ميديا فقط. ربما تغيرت أدوات الحرب وبروز عصر الدرون، لكن المنطق هو ذاته.

فالعدو الذي تفوق جواً بالأمس في بداية الغزو، وغدر بشعبنا وباغته بقنابل الفسفور والنابالم، وهجره من أرضه بسادية جمة، قبل أن يتجرع مرارة الهزيمة أمام إصرار المناضلين والمناضلات الذين حطموا غرور "الملك السفاح" آنذاك، يحاول أن يتفوق اليوم إعلامياً، دون أن يستفيد من درس الماضي: أن التفوق المادي لا يصنع النصر وحده.

لقد ابتكر الصحراويون "تكتيكات" جعلت تفوق سلاح الجو المغربي بلا معنى، وسيبتكرون اليوم ما يجعل التفوق البروباغاندا الاستعمارية بلا معنى أيضاً، لأن درجة الإيمان ليست خاضعة لمنطق الخوارزميات.

فكرة "الشرخ": المستحيل الذي يتكرر

يحاول العدو منذ خمسة عقود خلق شرخ في الجبهة الداخلية. يستثمر في الجراح والألم، ويصنع "صورة مريضة" لخلافات وهمية. لكنه يفشل دائماً. لماذا؟ تماماً كصخرة سيزيف.

لأن الوحدة الصحراوية وصلت إلى ما يمكن تسميته "بالجمود البنيوي الإيجابي". هناك خلافات طبيعية في أي مجتمع، لكنها لا ترتقي أبداً إلى مستوى "الشرخ" الذي يطمح إليه العدو. إنها وحدة لا يستطيع تمثيلها لأن طبيعة مفاهيمه ومعجمه السردي (جهوية، عرقية، مناطقية) عاجزة عن فهمها. لقد فشل في مقاربة الظاهرة الصحراوية عبر التاريخ، ربما لأنها تشكل النقيض: فلا يمكن لنظام استبدادي بنيته القهر والاستعباد واللّا معنى أن يسود على شعب طبيعته التحرر، شعب معرفته وثقافته هي المعنى.

أبناء الغيوم: فلسفة الهوية المنفلتة

"نحن أبناء الغيوم" – استعارة عميقة ضد الميتافيزيقا الغربية التي تربط الهوية بالأرض والحدود الثابتة. الغيمة لا تُحتجز، تتحرك باستمرار، وتمطر حيث تشاء.

وهذا هو السر: الجينات الثورية نفسها تنتقل من جيل إلى جيل. نفس الصلابة في الثبات، ونفس المرونة في التكيف. هذا ما يجعل "أبناء الغيوم" قادرين على تغيير قواعد اللعبة كلما تغيرت أدوات العدو.

النصر ليس احتمالاً بل ضرورة

ما يراه العدو مستحيلاً هو في الحقيقة "لا مستحيل" بحسب منطق الحق. استحال على الصحراويين الصمود 50 عاماً؟ لكنهم فعلوا. استحال عليهم إجبار المغرب على قبول الحل السياسي؟ لكنهم فعلوا.

لأن النصر في حرب الذاكرة ليس لمن يملك أقوى طائرة أو أكبر حملة إعلامية أو تغريدة تويتر، بل لمن يملك ذاكرة أطول. وذاكرة أبناء الغيوم تمتد كالغيوم ذاتها: لا تعرف الحدود. النصر في صراع الحق والبطل محسوم عبر التاريخ.
الشهيد لا يموت، بل يتحول إلى إرث.
رحم الله لحبيب محمد عبد العزيز و معشر الشهداء، والنصر لشعبنا.
بابوزيد محمد سعيد 
امستردام_ هولندا

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...