يمثل النضال الوطني الصحراوي نموذجًا أصيلًا من نماذج إنهاء الاستعمار. فمنذ اندلاع ثورة الساقية الحمراء ووادي الذهب في منتصف سبعينيات القرن الماضي، يواصل الشعب الصحراوي صموده الأسطوري في وجه إرادة الاحتلال، مدافعًا عن أقدس حقوقه الطبيعية والتاريخية: الحق في تقرير مصيره، والحق في اختيار نظامه السياسي بحرية، والحق في السيادة الكاملة على أرضه الوطنية، والحق في المقاومة بكل الوسائل المتاحة وفقًا للقانون الدولي.
لا يمكن بأي حال اختزال القضية الصحراوية في "نزاع إقليمي أو خلاف حدودي"، بل هي قضية تصفية استعمار غير مكتملة، أدرجتها الأمم المتحدة منذ عام 1963 على لائحة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في فتواها التاريخية عام 1975 على عدم وجود روابط سيادة بين السلطان المغربي والقبائل الصحراوية، وحسمت المحكمة الجدل حول شرعية حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، دون أن تمنح المغرب أي صفة قانونية للسيادة على الصحراء الغربية. ورغم ذلك، تم تجاوز فتوى المحكمة بشكل صارخ، ونُفّذت "المسيرة الخضراء" كغطاء لاجتياح عسكري، ثم تلتها اتفاقية مدريد الثلاثية المشبوهة التي وزعت الأرض بين المغرب وموريتانيا دون أدنى تمثيل للشعب الصحراوي، وهو ما يمثل انتهاكًا صارخًا لمبدأ حرية الشعوب في تقرير مصيرها، الذي يُعتبر من قواعد القانون الآمر (Jus Cogens).
منذ انتفاضة الزملة التاريخية عام 1970، مرورًا بإعلان الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو) عام 1973، وصولًا إلى إعلان الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية عام 1976، ظل الشعب الصحراوي متمسكًا بثوابته الوطنية: رفض الاستعمار الإسباني أولاً، ثم رفض الإخضاع المغربي ثانيًا، والإصرار على إقامة دولة مستقلة ذات سيادة على كامل التراب الوطني. ولم يثنه عن ذلك لا التقادم الزمني (خمسون عامًا من الاحتلال) ولا المناورات والتكالب والدعم الذي يتلقاه النظام المريونيت Marionette(الذي شرع في التطبيع مهرويلا مع كيان الاحتلال الصهيوني)، ولا الدعم العسكري والسياسي والمالي غير المحدود الذي تقدمه بعض القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، للنظام المخزني في الرباط.
إن سياسة فرض الأمر الواقع عبر الاستعمار الاستيطاني، وإنشاء الجدار الرملي، ونقل المستوطنين والتغيير الديموغرافي الممنهج للاقليم، واستغلال الثروات الطبيعية (الفوسفات، الصيد البحري، الطاقة المتجددة) دون موافقة الشعب الصحراوي، تمثل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني وقرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرار 690 الذي أرسى اتفاق وقف إطلاق النار ووعد بتنظيم استفتاء حر ونزيه لتقرير المصير. إن التلاعب بآليات التسوية السلمية، واللجوء إلى بدائل "الحكم الذاتي" التي تفرضها الرباط كحد أقصى للتنازلات، ليس سوى إعادة تدوير لمشاريع الإخضاع (Submission) وابتلاع الحقوق السياسية والقانونية للشعب الصحراوي تحت غطاء المفاوضات العقيمة.
في هذا السياق، تكتسب المقاومة الصحراوية بكل أشكالها (السلمية والعسكرية، الدبلوماسية والقانونية، الرقمية والثقافية) شرعيتها من ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومن مبدأ حق الشعوب في مقاومة الاحتلال القسري والخضوع غير الطوعي. إن المقاومة ليست عدوانًا، بل رد فعل مشروع على عدوان طويل الأمد، وممارسة أصيلة لحق الشعوب في تقرير المصير، وهو ما وصفته المحكمة الدائمة للعدل الدولي بأنه مبدأ من مبادئ القانون الدولي المعاصر.
أما الدعم الأميركي غير المشروط، من خلال الاعتراف بالسيادة المغربية المزعومة على الصحراء الغربية (قرار ترامب ديسمبر 2020)، ودفع بعض الدول لنقل سفاراتها إلى العيون أو الداخلة، والتعتيم الإعلامي على انتهاكات حقوق الإنسان، فهو ليس سوى استمرار لمخطط قديم رسمه هنري كيسنجر وغيره من مهندسي الهيمنة الغربية يعاد اجتراره اليوم، حيث قُدِّر في غرف مغلقة أن يظل الشعب الصحراوي في دائرة المعاناة خدمة لأجندة جيوسياسية وأمنية واقتصادية لا علاقة لها بالعدالة أو القانون.
إن المجتمع الدولي، بمنظوماته المهيمنة، يتحمل مسؤولية تاريخية جسيمة أمام هذا الصمت المطبق والتواطؤ الفاضح. فبينما تُنتهك حقوق الصحراويين بشكل صارخ (التهجير القسري، الاختفاء القسري، التعذيب، منع التجمع السلمي، مصادرة الأراضي)، تكتفي بعثة المينورسو بمهمة مراقبة رمزية، ويظل مجلس الأمن عاجزًا عن تنفيذ قراراته الخاصة بالاستفتاء.
لقد أظهر الشعب الصحراوي، عبر عقود متتالية من النضال، قوة استثنائية وصلابة أسطورية في مواجهة أصعب الظروف. ورغم كل المؤتمرات الدولية التي مرت، والمبادرات التي لم تثمر، والضغوط السياسية والعسكرية التي تعرض لها، لم يهن صموده يومًا، بل ازداد إصرارًا وعزمًا على استكمال مسيرته النضالية حتى افتكاك حقوقه الوطنية كاملة. ظل كالصخرة التي تحطمت عليها كل اشكال التأمر إن هذا التماسك الشعبي، وهذا الرفض القاطع لليأس أو المساومة على الحرية، هو الركن الأشد في معادلة التحرير الصحراوي.
لقد خبر الشعب الصحراوي، لعقود من الزمن، نظامًا يقوم على القمع والتنكيل، وينخره الفساد والريع والاستبداد. هذا النظام لا يمكن بأي حال أن يكون إطارًا هوياتيًا مقبولاً لدى أي صحراوي عاقل، نظرًا لسجله المظلم في المنطقة وتاريخه القمعي الطويل، وهو نظام لا يملك أي شرعية أخلاقية أو سياسية ليمثل الصحراويين فلا يمكن للجلاد ان يكون سيدا طلاقا وبأي حال.
لن يرضخ الشعب الصحراوي، ولن يبيع حريته مقابل إغراءات شكلية مزعومة وزائفة تحت الاحتلال مهما كان الثمن. إن خيارات الشعب واضحة: إما دولة ذات سيادة كاملة على كامل أراضيه الوطنية، أو مقاومة مستمرة لا تعترف باليأس ولا بالتقادم. وفعليًا، منذ أكثر من قرن، يخوض شعبنا معركة تحرير وطنية ضد منظومة استعمارية-عنصرية ترعاها الولايات المتحدة وحلفاؤها.
الصحراويون أحرار، ولن يكونوا أبدًا رعايا في دولتهم المغتصبة.
لا حل دون انسحاب كامل للاحتلال، وعودة اللاجئين، وتنظيم استفتاء حقيقي وملزم يتضمن خيار الاستقلال، ثم احترام إرادة الشعب الصحراوي مهما كانت النتيجة. أي بديل آخر هو استمرار للاستعمار باسم آخر، ولن يرضاه الشعب الصحراوي الذي قدّم في سبيل حريته فاتورة غالية مستمرة حتى اليوم.
بابوزيد محمد سعيد
بروكسيل - بلجيكا
08 ماي 2026
