القائمة الرئيسية

الصفحات

لا مقاعد خلفية في زمن إعادة موازين ترتيب الفعل.

                     


استوقفني مقال للصحفي والاعلامي اللامع محمد فاضل الهيط، لا لأنه أعاد طرح قضية معروفة، _  قانونيا، سياسيا وجغرافيا_  بل لأنه التقط لحظة سياسية دقيقة تتشابك فيها الإشارات الدولية مع تعقيدات الإقليم، وتُعاد فيها صياغة مواقع الفاعلين داخل معادلة لم تعد تقبل الثبات. كان النص، في عمقه، قراءة لما وراء السطور: ما الذي تقوله التحركات الأمريكية فعلًا؟ وكيف تنعكس توترات الساحل على ملف الصحراء الغربية المحتلة؟ وأين يقف الصحراويون من كل ذلك، وهم المعنيون أولًا وأخيرًا بكل تحول أو اعادة ترتيب في موازين الفعل؟.
إن ما يمنح هذا المقال ثقله ليس فقط لغته أو جرأته، بل قدرته على الربط بين عناصر بدت للبعض متفرقة: إشارات صادرة من ممثل الولايات المتحدة داخل الأمم المتحدة، ومواقف سفارتها في المغرب، في لحظة إقليمية يطبعها احتقان متصاعد في فضاء الساحل، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع إعادة ترتيب النفوذ الدولي. هذه ليست تفاصيل هامشية كما قد تبدو في قراءة سطحية، بل مفاتيح لفهم اتجاهات أعمق، تتعلق بكيفية إعادة تعريف الأدوار، وتوزيع التأثير، ورسم حدود المبادرة.
فالتحول في الخطاب الأمريكي، حتى وإن جاء عبر تغريدات أو إشارات دبلوماسية مقتضبة، لا يمكن فصله عن سياق أوسع يعكس مراجعة مستمرة للأولويات، خاصة في منطقة باتت تتقاطع فيها رهانات الأمن والطاقة والنفوذ. وفي هذا السياق، تصبح الصحراء الغربية المحتلة، أكثر من مجرد ملف نزاع، لتتحول إلى نقطة ارتكاز ضمن توازنات إقليمية ودولية متحركة، تتأثر بما يجري في الساحل بقدر ما تؤثر فيه. ومن هنا، فإن أي قراءة تغفل هذا الترابط إنما تختزل المشهد وتُفرغه من دلالاته الحقيقية وتحجب الرؤية عن أبعاده ومآلاته ...
وإذا كان المقال قد اختار عنوانًا مباشرًا وصادمًا، فإن مضمونه يذهب أبعد من مجرد التعبير الرمزي، ليطرح سؤال الموقع بحدة: هل يمكن للصحراويين أن يظلوا موضوعًا لسياسات تُصاغ خارجهم، في وقت تتسارع فيه التحولات وتُعاد فيه صياغة موازين القوة؟ أم أن اللحظة تفرض انتقالًا من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، بما ينسجم مع حجم التضحيات ورهانات المستقبل؟ إن “المقاعد الخلفية” هنا ليست استعارة بلاغية فقط، بل توصيف لوضع يُخشى أن يُعاد إنتاجه إذا لم يُعاد ترتيب العلاقة بين الداخل والخارج، وبين القرار ومن يعنيهم القرار.
في ضوء ذلك، يبدو أن الرسالة الأعمق التي يحملها المقال هي أن التحولات الدولية، مهما بلغت أهميتها، تظل ناقصة إن لم تجد صداها في بنية الفعل الداخلي. فالتاريخ لا يُكتب فقط في أروقة الدبلوماسية، بل أيضًا في قدرة الشعوب على فرض حضورها داخل معادلات تُراد لها أحيانًا أن تُدار بالنيابة عنها. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في قراءة المواقف الدولية، بل في كيفية التموقع إزاءها، بما يحول دون الانزلاق مجددًا إلى الهامش في لحظة يُفترض أنها لحظة إعادة تموضع لا إعادة إقصاء.
سلامة مولود اباعلي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...