القائمة الرئيسية

الصفحات

عملية الخنكة التاريخية... كيف خطط مفجر الثورة الصحراوية لترجمة شعار المؤتمر التأسيسي للجبهة "بالبندقية ننال الحرية"

  


مباشرة بعد الخروج من المؤتمر التأسيسي للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب 10 ماي 1973 الذي حمل شعار : "بالبندقية ننال الحرية"، واعتماد  الكفاح المسلح وسيلة للتحرير ودحر الاحتلال الاسباني من الصحراء الغربية وتوزيع المهام والتوجيهات على الجناح السياسي،التحقت القيادة العسكرية بقاعدتها المقاتلة بشمال الوطن وبدأت التحضير لضربة تكون ايذاناً بالعمل المسلح الذي هيئت شروطه الأولية حتى قبل المؤتمر التأسيسي خلال اجتماع عقده الولي مصطفى السيد لعدد من المناضلين يوم 15 ابريل 1973 بواد "الطلح" شرق مدينة تندوف، وضم اكثر من 30 مناضلا، واستمر على مدار يومين وكان بحسب احد المشاركين فيه إحدى الجلسات التحضيرية للمؤتمر التأسيسي.
وانطلاقا من مقررات المؤتمر بدأ التفكير في مثل تلك العملية   التي  تكون الشرارة الاولى لإندلاع  الكفاح المسلح.ومن ضمن المقترحات التي نالت استحسان الجميع، طرح فكرة نصب كمين في طريق القوات الاسبانية المتواجدة في بعض الحاميات العسكرية المتواجدة في عدد من المناطق الصحراوية وتستهدف بالأساس العسكريين الإسبان وتتفادى المجندين الصحراويين، وتقوم بدوريات اعتيادية ووقع الاختيار على بلدة اجديرية التي توجد بها حامية للقوات الاسبانية وإلقاء القبض على نقيب عسكري اسباني واحتجازه او قتله، لتدشين الكفاح المسلح الذي يتلهف اليه الثوار بفارق الصبر ليترجم شعار المؤتمر التأسيسي للجبهة الشعبية.
فعقد الولي مصطفى السيد اجتماعا موسعا عمم خلاله نتائج المؤتمر التأسيسي واعلن فيه عن تشكيلة القيادة السياسية والعسكرية التي قررها المؤتمر والذي نص على ان يكون اسم حركة التحرير في الصحراء الغربية "الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب" وتشكيلة اللجنة التنفيذية التي توزعت على قيادة جناحي الجبهة الشعبية، السياسي والعسكري . 
السياسي  معنى  بالتعبئة والتحريض والتأطير وجمع الدعم والتجنيد والاتصالات بالعالم الخارجي ، أما الجناح العسكري فيختص بتجنيد الصحراويين للقتال وتسليحهم و تدريبهم وانتشارهم والتخطيط للأنشطة القتالية و قيادتها بإشراف من الكاتب العام للجبهة الشعبية وتم اختيار ابراهيم غالي، بينما استثنى الولي مصطفى نفسه من قيادة الحركة،فقرر المجتمعون تعيينه منسقا ملحقا باللجنة التنفيذية.
كما قرر الاجتماع البدء في تنفيذ مقررات المؤتمر وفي مقدمتها عمل مسلح يرافق إعلان تأسيس الجبهة الشعبية، فتوزعت المجموعة الى فريقين احداهما ينتظر عودة الفراح للحصول على السلاح، والثاني ذهب مع الولي وابراهيم غالي باتجاه ازقر وتسميمت بمنطقة خنكة واد اكسات شمال غرب الصحراء الغربية، بحثا عن تأمين منطقة تكون استراتيجية كقاعدة للعمل المسلح، وبعيدة من عيون الاستعمار الاسباني، وتم الموعد مع المجموعة الأولى في نفس المنطقة.
فبدات المهمة الصعبة بتوجه المجموعة الاولى التي شكلت الطلائع الاولى لجيش التحرير الشعبي الصحراوي والتي تتكون من 17 مناضلا وتضم كل من: ابراهيم الخليل، الراحل السيد، ابراهيم عبد الرحمان بوجمعة ، البشير الصالح الملقب بـ "جمبلة"، البشير السالك جدو، الولي مصطفى السيد، الغزواني اعلي علال الملقب بـ"فرتت"، السالك اسويلم محمد الملقب بـ"الطبيْب"، السالك احمد الوالي الملقب بـ "غاندي"، الفراح يحظيه ورقة، بودة التاقي احمد لمبارك، لحبيب دافة جاعة الملقب بـ"لبريفي"، محمد لسياد، محمد فاظل عالي الملقب بـ "القرارات" محمد سعدبوه اليزيد الملقب بـ "محمد لمتين"، محمد فاظل عالي الملقب بـ"القرارات"، حمدي السالك جدو الملقب بـ"سالم ربيع"، عبدي بوبوط يوسف، غالي سيد المصطفى سيدي محمد المعروف بـ"ابراهيم غالي" 
وبعد وصولهم منطقة "تيمقراياتن" بمحاذاة واد "افرا"، في طريق هذه المجموعة التي نفذت اول عملية عسكرية ضد الاحتلال الاسباني، اقترح البعض السقي بالماء البارد من بئر الخنكة الموجود بواد افرا الذي يصب مجراه في وادي الساقية الحمراء، وكان بالقرب من مركز حراسة للقوات الاسبانية.
وبعد نقاش مستفيض وتخوف بعضهم من قرب البئر من الحامية واحتمال فشل المهمة، اتفق رايهم على ذهاب عبدي ولد بوبوط الذي تطوع لجلب الماء للمجموعة وانتدب الولي نفسه لذات المهمة.
اجتمعت مجموعة الخنكة ببوجنيبة بمنطقة لبطانة غرب منطقة الزاك في طريق تنفيذ اول عملية عسكرية ضد الاحتلال الاسباني، حيث تم التخطيط لها بان تكون ضد الحامية العسكرية الاسبانية بمنطقة اجديرية والتي كانت تقتصر تقتصر فقط على الأسبان الأوروبيين، من دون المجندين الصحراويين الذين كانوا يؤدون مهامهم في حراسات عسكرية بمناطق أخرى.
وبعد دراسة كافة الجوانب المتعلقة بنجاح العملية والتعرف على عدة وعتاد الحراسات الاسبانية التي تضم في العادة خمسة جنود، ثلاثة يتمركزون اسفل مركز الحراسة واثنان يراقبان من اعلى خزان الماء، بدأت المجموعة سيرها نحو تنفيذ الهدف وبعد وصولهم الى منطقة "تيمغلياتن" بأعلى واد "افرا"، الذي يصب مجراه في وادي الساقية الحمراء، وتوجد به الخنكة، اقترح بعض عناصر المجموعة السقي بالماء البارد من بئر الخنكة المتواجد على مقربة من مركز حراسة اسبانية.
وبعد نقاش مستفيض وتخوف بعضهم من قرب البئر من الحامية واحتمال فشل المهمة، اتفق رأي الأغلبية على السقي من بئر الخنكة، فتطوع عبدي ولد بوبوط لجلب الماء للمجموعة، واعلن محمد لمتين عن مرافقته لكن الولي انتدب نفسه لذات المهمة، واقنع محمد لمتين بالبقاء مع المجموعة ومواصلة الطريق على امل اللقاء في "وديان ارﮔان" جنوب بئر الخنكة.
انطلق الولي وعبدي على ظهر جملين، باتجاه "الحاسي"، واستقر بهم المقام في ظهيرة ذلك اليوم عند عائلة صحراوية، على مقربة من البئر، لكنهم لم يجدوا رب الاسرة الذي ذهب للتزود بالماء  من بئر الخنكة، فقررا انتظاره، وفي المساء عاد الرجل محملا بالماء، فطلبوا منه ملء القرب الأربعة التي كانت بحوزتهم، لكنه قدم اعتذاره متعللا بحاجته الى تلك الكمية التي جلبها بشق الأنفس، فلم يكن امامهما سوى ورود البئر وسقي ما بحوزتهما من قِرب الماء، انتظرا حلول الظلام للسقي من البئر حتى يضمنا نجاح المهمة، وبعد تناول العشاء مع العائلة الصحراوية، أكملا مسيرتهما نحو الخنكة بعدما استجمعا معلومات عن القوة العسكرية المتواجدة وطبيعة الوضع.
ومع وصولهما الى البئر وجداه مغلقا بقفل من حديد، فحاولا كسره فاطلق صوت ايقظ كلب الحراسة الذي بدأ بالنباح، غير انه من حسن الحظ لم يثر انتباه الحراس، فسقيا القرب ووضعاها على الجمال واكملا سيرهما نحو الرفاق.
وعلى الساعة الحادية عشرة من صباح اليوم الموالي وصلا مكان الميعاد، لكنهما لم يجدا الرفاق الذين تمركزوا شمال المكان المحدد، فمكثا في استراحة يجهل أصحابها ما كان يحدث خلفهما من بحث وتعقب، حيث وقع ما تخوف منه بعض الرفاق، إذ تمت الوشاية بهما من قبل الرجل الذي كانوا في ضيافته، وحيث كانت الحراسات الاسبانية توصي العائلات الصحراوية بإخبارها بأي شخص غريب يدخل المنطقة، وكذلك ذهب الرجل الى الحامية الاسبانية واخبرهم بامر الولي ورفيقه، لأنه لم يكن يعرفهما، وكانا غريبين على المنطقة.
فجهزت الحراسة ثلاثة جنود مسلحين بجِمالهم لتعقبهما، وبعد فترة وجيزة بينما الولي ورفيقه يأخذان قسطا  الراحة فاجأهما المجندون الإسبان. وبعد اجراء تحقيق سريع معهما، والاشتباه بهما اقتادوهما الى مركز الحراسة، لتبليغ السلطات الاسبانية بأمرهما.
 في طريق سوقهما الى مركز الحراسة الإسباني كان الولي يهمس الى رفيقه عبدي بوبوط بالغدر بالمجندين الاسبان في حال توقفوا للاستراحة وتناول وجبة الغداء، وتحرير نفسيهما من الاسر الذي سيعيق تنفيذ مهمة اندلاع الكفاح المسلح.
وفيما كان الولي ورفيقه يفكران في طريقة للتخلص من هذه المعضلة، كان الرفاق قلقون على تأخرهما، ما دفع بابراهيم الخليل الى تعقب اثارهما، وبينما هو يسير وينظر يمينا وشمالا لمح رفيقيه وهما يقتادان من قبل الجنود الاسبان، الذين توقفوا للراحة لكن عزلوا الولي ورفيقه بعيدا عنهم حتى يأمنو جانبهم، اشاروا اليه بان يخبر الرفاق بما حصل، عاد مسرعا الى المجموعة ومن شدة الغضب مزق "تسوفرة" حقيبة تخزين قطع الاسلحة التقليدية التي كانت بحوزتهم، فيما ذهب البشير الصالح هو الاخر بحثا عن الرفاق وفي الطريق وجد سلمة ولد الداف فاخبره بان الولي وعبدي تم القبض عليهما من قبل الاسبان. 
وقبل غروب شمس يوم 19 ماي 1973 وصل الجنود الاسبان ومعهم صيد ثمين للسلطات الاسبانية، وزج بالولي ورفيقه في زنزانة جماعية.
علم الرفاق بالنبأ السيء في القبض على الولي وعبدي، فبدأ التفكير في وسيلة لتحريرهما من الأسر، ليتفق راي المجموعة على تنفيذ عملية وفق خطة تقتضي تكليف خمسة اشخاص بتنفيذ المهمة وهم ابراهيم الخليل ،الغزواني اعلي علال ، محمد سعدبوه، البشير السالك، وبقيادة ابراهيم غالي، فيما يمكث بقية اعضاء المجموعة في مكانهم في انتظار ما تسفر عنه عملية تحرير الرفاق.
وبعد تدارس الامر الطارئ تم وضع اللمسات الأخيرة باشرت المجموعة مهمتها، وانطلقت باتجاه بئر الخنكة، وفي المساء دخلوا المنطقة التي يوجد بها مركز الحراسة الأسباني، ومن اجل استجماع كافة المعلومات الدقيقة والمتكاملة عن وضعية المركز، قصدوا احدى العائلات الصحراوية الموجودة بالقرب من الحاسي والتي زودتهم بكل التفاصيل المتعلقة بمركز الحراسة الاسباني، وعدد الغرف، وعدد الحراس، ومكان غرفة السجن في المجمع الذي يضم أربعة غرف.
وعلى ضوء هذه المعطيات رسمت خطة العملية على ان يقوم إبراهيم غالي وإبراهيم الخليل ومحمد لمتين باقتحام مجموعة الحراسة من البوابة الرسمية، فيما يتكفل الغزواني والبشير السالك باقتحام غرفة السجن وتحرير الرفاق.
تجهزت المجموعة وانطلقت في طريق مركز الحراسة الاسبانية، كان الولي مصابا بالحمى وكان يردد نشيد الثورة والشعارات الثورية التي كانت انيسه الدائم.
وبينما كان تفكيرهما منشغلا بالطريقة التي سيسلكها الرفاق في تخليصهما من الزنزانة سمعا نباح الكلب الذي تكفل به محمد لمتين وأوقف نباحه، شعر الولي وعبدي بقدوم الرفاق فطلبا من الحارس اغلاق الباب والذهاب للراحة لانهما متعبان ويريدان الخلود للنوم، احكم الحارس اغلاق الباب وذهب الى رفاقه العاكفين على لعبة الدومينو.
وفي ساعة الصفر ومع اول دقائق يوم 20 ماي 1973 طوقت المجموعة مركز الحراسة، وتوزع أعضاؤها على الأدوار المحددة، وبدأ اقتحام الحامية الاسبانية، حيث تمت السيطرة عليها بسهولة، والقبض على كل الحراس الذين كانوا منشغلين بلعبة الدومينو ، والقبض على اخر كان يتأهب للسفر من اجل إعلام الإسبان بوجود الاسيرين، وتمت مصادرة خمسة أسلحة، وعندما ضرب الغزواني باب السجن بمؤخرة سلاحه "تساعية" انطلقت رصاصة عن طريق الخطأ وتفاجأ الرفاق فقال لهم "فرتت" أي خرجت بغير قصد فاطلق عليه هذا اللقب.
تم تحرير الولي وولد بوبوط، واسر خمسة من المجندين الصحراويين في الجيش الاسباني، وغنم أسلحتهم وجِمالهم دون إراقة دماء، في عملية شكلت باكورة العمل المسلح ضد المستعمر الاسباني واعطت الإشارة باندلاع الكفاح المسلح الذي خاضه الشعب الصحراوي ببسالة.
اقتاد منفذو عملية الخنكة خمسة من المجندين الاسبان فيما تركوا اثنين لم يجدوا لهما وسيلة نقل وتوجهوا الى منطقة تسميمت التي شكلت لهم الملاذ الامن من ملاحقة الجيش الاسباني الذي استنفر قواته بعد العلم بالعملية، وكثف من دورياته واستخدم الطائرات في البحث عنهم.
كما راجع الاستعمار الاسباني خطة الحراسة الليلية حيث أصبحت تقتصر بعد عملية الخنكة على الاسبان وتستثني المجندين الصحراويين خوفا من التواطؤ مع الثوار.
خير الزعيم الولي مصطفى السيد مجموعة المجندين الصحراويين في صفوف الجيش الاسباني الذين وقعوا في أسر الثوار، بين الانخراط في الجبهة الشعبية، او العودة الى إدارة المستعمر، فاختاروا الثانية، بحجة انهم يعيلون عائلات، ولهم التزامات مع اسبانيا، فقال لهم بأن الثورة تستهدف فقط المستعمر الاسباني الذي اعتدى على الشعب الصحراوي واحتل أرضه، فاطلق سراحهم.
لقد ساهم نجاح عملية الخنكة في رفع معنويات الثوار وأصبحت مادة للتعبئة وإقناع الصحراويين بحتمية نجاح الثورة ودحر المستعمر الاسباني وهو ما شجع في الانخراط الجماعي للصحراويين في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب.
بقلم : حمة المهدي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...

الأكثر قراءة