القائمة الرئيسية

الصفحات

دراسة الصحراء الغربية: الطائرات المسيّرة المغربية واستهداف المدنيين في ظل غياب المساءلة الدولية.

  


في دراسة مطولة نشرها موقع مؤسسة روزا لوكسمبورغ الألمانية (Rosa-Luxemburg-Stiftung) حول استخدام الطائرات المسيّرة المسلحة في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، تناولت فيها التحولات العقائدية والقانونية المرتبطة بما يسمى بنمط “الصيد والقتل” (Hunter-Killer Pattern)، باعتباره أحد العوامل البنيوية الرئيسية وراء سقوط المدنيين في النزاعات المعاصرة. وتوقفت الدراسة عند حالات متعددة في مالي ومنطقة الساحل، كما أشارت إلى الامتداد المتزايد لاستخدام الطائرات المسيّرة في الفضاء الصحراوي لشمال أفريقيا، بما في ذلك منطقة Western Sahara، حيث تتقاطع الاعتبارات الأمنية والعسكرية مع إشكالات القانون الدولي الإنساني وغياب آليات المساءلة الفعالة.
  وتنطلق الدراسة من ملاحظة أساسية مفادها أن الجمع بين المراقبة الجوية والقدرة الفورية على تنفيذ الضربات في منصة واحدة، كما هو الحال مع الطائرات المسيّرة المسلحة، يخلق منطقًا عملياتيًا يقوم على الاستهداف السلوكي بدل التحقق الدقيق من الهوية. فحين تصبح “العين” و”السلاح” شيئًا واحدًا، وحين تُنفذ الضربات في مناطق نائية تغيب فيها أي مراقبة ميدانية مستقلة أو وجود بشري قادر على تأكيد طبيعة الهدف، يصبح خطر استهداف المدنيين نتيجة شبه بنيوية وليست مجرد خطأ عرضي.
  وتستشهد الدراسة باعتراف جنرال في سلاح الجو الأمريكي، نقله الفيلسوف الفرنسي Grégoire Chamayou في كتابه A Theory of the Drone، حيث قال: “لقد انتقلنا من استخدام الطائرات المسيّرة بشكل أساسي في مهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع قبل حرب العراق، إلى دورها الحقيقي كصائدة وقاتلة مع طائرة ريبر MQ-9”. وترى الدراسة أن هذا التحول لم يكن تقنيًا فقط، بل سياسيًا وقانونيًا أيضًا، لأنه سمح للقوى العسكرية بفرض النفوذ في مناطق واسعة من الساحل والصحراء دون وجود ميداني مباشر، وفي الوقت نفسه دون تحمل الكلفة السياسية والأخلاقية المرتبطة بالحروب التقليدية.
  وفي هذا السياق، تخصص الدراسة حيزًا واسعًا لما تعتبره الحالة الأكثر توثيقًا ودلالة على فرضيتها المركزية، والمتعلقة بمنطقة الصحراء الغربية، حيث تشير إلى أن نمط “الصيد والقتل” بلغ هناك أحد أكثر أشكاله وضوحًا بسبب غياب أي وجود بري مباشر في مناطق الاستهداف واعتماد العمليات بشكل شبه كامل على المراقبة الجوية وتحديد الأهداف عن بُعد.
 تفتتح الدراسة قسمها المتعلق بالصحراء الغربية بالإشارة إلى 73 غارة جوية نُفذت دون أي وجود بري. وفي هذا السياق، تؤكد الدراسة أن حالة الصحراء الغربية تُعدّ “الأكثر توثيقًا والأكثر دلالة” على الفرضية المركزية للمقال، والمتعلقة بالعلاقة بين نمط “الصيد والقتل” وارتفاع الخسائر المدنية في ظل غياب أي وجود بري مباشر. وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى أن مكتب تنسيق العمل الصحراوي لإزالة الألغام (SMACO)، التابع لجبهة البوليساريو، سجل 73 غارة جوية نفذتها طائرات مسيرة مغربية بين عامي 2021 و2023 في المناطق الواقعة شرق الجدار الرملي الذي يفصل الأراضي التي تحتلها المغرب عن تلك التي “حررها” الصحراويون، ما أسفر عن 160 ضحية، من بينهم 80 قتيلاً من الصحراويين والجزائريين والموريتانيين. (10) وخلصت الدراسة إلى أن هذه الأرقام تمثل ما يعادل 70% من الوفيات الناجمة عن الطائرات المسيّرة خلال ثماني سنوات في البلدان الأربعة التي شملتها الدراسة.
 كما شددت الدراسة على أن جغرافية الضربات تحمل دلالات مهمة، إذ وقعت أقرب ضربة إلى الجدار الذي شيده المغرب على بُعد 18 كيلومترًا من خط الترسيم، بينما سُجلت أبعد الضربات في عين بنتيلي على بُعد 86 كيلومترًا شمالًا، وفي أحفير على بُعد 100 كيلومتر جنوبًا. (11) وأكد التقرير أنه لا يوجد للمغرب أي وجود بري شرق الساتر الترابي، مشيرًا إلى أن الجدار العسكري الممتد على 2720 كيلومترًا والمزوّد بسبعة ملايين لغم يجعل أي عملية برية مغربية في تلك المناطق “مستحيلة”. (12) وبحسب الدراسة، فإن تحديد الأهداف يعتمد بالكامل تقريبًا على المراقبة الجوية.
 وفي تحليلها لطبيعة الضحايا، خلصت الدراسة إلى عدم وجود مؤشرات على استهداف عسكري مباشر. فوفق بيانات منظمة SMACO، كان 58.4% من الضحايا مسافرين على طرق تجارية، و36.3% من عمال مناجم الذهب الحرفيين، و5.3% من الرعاة والبدو الذين استُهدفت خيامهم. (13) كما أشار التقرير إلى أن 76.25% من ضحايا الهجمات المرتبطة بالتنقيب عن الذهب كانوا من المواطنين الموريتانيين مقابل 23.75% من الصحراويين. ونقلت الدراسة حرفيًا عن التقرير قوله إن “الهجمات لم تتبع أي نمط سلوكي مريب”، وإنه “لم يكن من الممكن إثبات أي علاقة أو صلة بين القتلى والجرحى والجيش الصحراوي”. (14) ومن هذا المنطلق، خلص التقرير إلى أن “النمط يبدو وكأنه هجمات عشوائية على أي شيء يتحرك في المناطق المحررة”. (15)
 كما لفتت الدراسة إلى أن الأرقام والإحصاءات لا تعكس بالكامل الواقع المعيشي تحت المراقبة الدائمة للطائرات المسيّرة في واحدة من أكثر المناطق الصحراوية عزلة في العالم. ووفق مصادر SMACO الميدانية، أدى التحليق المتكرر للطائرات المسيّرة شرق الجدار إلى خلق خوف دائم بين السكان المدنيين، بما في ذلك العائلات الموجودة داخل الأراضي الموريتانية القريبة من الحدود الصحراوية، والتي أفادت بمشاهدة طائرات مسيّرة مغربية تحلق فوقها. (16) وأكد التقرير أن العائلات البدوية اضطرت إلى تغيير أنماط تنقلها والتخلي عن مسارات الرعي التقليدية، في حين تحول تعدين الذهب، الذي يمثل أحد مصادر الدخل القليلة في المنطقة، إلى نشاط “قاتل”، إذ كان 36.3% من مجموع الضحايا يعملون في التعدين الحرفي وقت وقوع الهجمات.
 وأضافت الدراسة أن التداعيات الاقتصادية للهجمات تجاوزت الضحايا المباشرين، موثقة تدمير أكثر من 66 مركبة، بينها شاحنات صهاريج مياه وشاحنات تجارية كبيرة، فضلًا عن نفوق مئات الجمال التي تمثل مصدرًا رئيسيًا للعيش بالنسبة للأسر الرعوية الصحراوية. (17) وخلص التقرير إلى أن عائلات كاملة تُركت دون دخل أو موارد أساسية للبقاء.
  وفي ما يتعلق بالآثار الإنسانية، أكدت الدراسة توثيق حالات نزوح مرتبطة مباشرة بهذه الهجمات. ووفقًا لما نقلته عن الحكومة الصحراوية، فإن حملة الطائرات المسيّرة ساهمت في نزوح جماعي للسكان المدنيين من المناطق المحررة نحو مناطق أكثر أمنًا، كما أصيب اثنان على الأقل من الضحايا الصحراويين باضطرابات نفسية حادة عقب الهجمات التي وقعت في محيطهم. (18) وأشارت الدراسة إلى أن هذه النتائج لا تُعتبر “أثرًا جانبيًا عابرًا”، بل جزءًا من استراتيجية تهدف إلى بث الرعب وتعطيل حركة الأشخاص والبضائع بين الدول المجاورة، بما يؤدي عمليًا إلى إفراغ المناطق المحررة من وجودها المدني.
  وتوقفت الدراسة أيضًا عند التبرير المحتمل الذي قد يستند إليه المغرب، والمتمثل في اعتبار الضربات جزءًا من استراتيجية حصار اقتصادي تستهدف قطع الإمدادات عن جبهة البوليساريو. غير أن التقرير شدد على أن القانون الدولي الإنساني لا يجيز، حتى في هذا السياق، شن ضربات عشوائية ضد الأفراد المتنقلين داخل المنطقة. وأكدت الدراسة أن أي حصار اقتصادي مشروع يظل ملزمًا باحترام مبدأ التمييز واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين. وفي المقابل، أبرزت بيانات SMACO حالات استهداف لرعاة داخل خيامهم، ولمواطنين موريتانيين وسودانيين “لا توجد أي صلة موثقة بينهم وبين جبهة البوليساريو”، إضافة إلى بقاء بعض الجثث في أماكنها لمدة وصلت إلى 28 يومًا بسبب خوف أقارب الضحايا من التعرض للاستهداف أثناء محاولة انتشالها. (19) وخلص التقرير إلى أن استهداف حتى فرق الإنقاذ يعكس “سياسة منع وصول” ذات طبيعة عشوائية.
  وفي ختام هذا الجزء، وثقت دراسة SMACO لسنة 2024، بحسب المقال، استخدام ذخائر حرارية ضغطية ضد أهداف مدنية. وأوضح التقرير أن هذه الأسلحة تُحدث موجة انفجارية طويلة الأمد نتيجة استهلاكها كميات كبيرة من الأكسجين. (20) وأكدت الدراسة أن استخدام هذا النوع من الذخائر في ظروف لا يوجد فيها تحقق مؤكد من هوية الأهداف قد يشكل “انتهاكًا مزدوجًا”، يتعلق من جهة بمبدأ الحيطة والحذر، ومن جهة أخرى بحظر استخدام الأسلحة التي لا يمكن حصر آثارها في الأهداف العسكرية ضمن ظروف الاستخدام المذكورة...

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...