القائمة الرئيسية

الصفحات

مالي والصحراء الغربية: حين يقود تجاهل الشرعية الدولية إلى دوّامة التصعيد



ما يحدث اليوم في مالي لا يمكن اختزاله في كونه مجرد أزمة أمنية عابرة أو تصاعدًا دوريا لنشاط الجماعات المسلحة، بل هو تعبير مكثّف عن خلل أعمق في مقاربة إدارة النزاعات داخل الفضاء الإفريقي، حيث تميل بعض القوى إلى القفز على الشرعية والحلول السياسية العادلة، لصالح ترتيبات ظرفية تُفرض بمنطق القوة أو الأمر الواقع.
هذه الحقيقة تطرح نفسها بإلحاح عند النظر إلى ملف الصحراء الغربية، الذي ما يزال رغم مرور عقود، رهين مقاربات مترددة تتأرجح بين الالتزام الشكلي بالشرعية الدولية، والسعي العملي إلى تجاوزها تحت ضغط حسابات جيوسياسية ضيقة.
لقد أثبتت التجربة في مالي أن فرض الأمر الواقع من خلال مقاربات مشبوهة، مهما بلغت شدتها أو تنوعت أطرافها، لا تستطيع وحدها احتواء الأزمات إذا لم تُعالج جذورها السياسية. فسنوات من التدخلات، سواء بقيادة فرنسا أو عبر ترتيبات جديدة مع شركاء آخرين (الروس، الإمارات الأتراك والمغرب)، لم تنجح في إرساء استقرار دائم، بل أدت في النهاية إلى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال أكثر تعقيدًا وتشبيكا لأن أساس المشكلة ظل قائمًا: غياب تسوية سياسية جامعة تحظى بالقبول الداخلي وتستند إلى الشرعية.
في هذا السياق، تبدو قضية الصحراء الغربية اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام المجتمع الدولي بالمبادئ التي يعلنها. فهي قضية مدرجة منذ عقود ضمن مسار تصفية الاستعمار، ويُفترض أن حلها يمر عبر تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرير المصير.
غير أن ما نشهده منذ شهر أكتوبر الماضي هو تسريع محاولات فرض مقاربات بديلة، بضغط أمريكي عبر مجلس الأمن لفرض حل وسط مزعوم " حكم ذاتي موسع" الذي هو ببساطة منح السيادة للمغرب لأن ما يمكن أن تحصل عليه البوليساريو هو مكاسب محدودة مكانيا وزمانيا وخسارة خيار الإستقلال الكامل.
إن المشكلة هنا لا تتعلق فقط بمضمون "الحل الوسط" الذي يروج له، بل بسابقة خطيرة: تكريس فكرة أن الشرعية الدولية يمكن إعادة تأويلها أو تجاوزها أو حتى نسفها إذا اقتضت موازين القوى ذلك.
فإذا كان هناك خيط ناظم بين ما يجري في مالي وما يُطرح في ملف الصحراء الغربية، فهو منطق واحد
تقديم حلول جاهزة تتجاهل التعقيد السياسي والاجتماعي للنزاعات، مقابل السعي لتحقيق استقرار سريع، يخدم مصالح قوى من خارج الإقليم على حساب إرادة شعوب المنطقة.
لكن التجربة تثبت أن هذا "الاستقرار السريع" غالبًا ما يكون هشًا، بل ومؤقتًا. ففي مالي، أدى تهميش الحلول السياسية إلى عودة العنف بشكل أكثر انتشارًا وتنظيمًا. وفي الصحراء الغربية، فإن فرض حل لا يحظى بقبول الطرف المعني الذي هو الشعب الصحراوي لن يؤدي إلى إنهاء النزاع، بل إلى نقله إلى أشكال أخرى من التوتر والتصعيد وفي أحسن الحالات الى التجميد.
اليوم، ومع اقتراب استحقاقات جديدة داخل مجلس الأمن، يبدو أن هناك ميلًا متزايدًا نحو البحث عن "حل سريع" لملف الصحراء الغربية على حساب الشرعية الدولية وهو التوجه الذي ينطوي على مخاطر حقيقية:
أولها، فقدان الثقة في منظومة الشرعية الدولية، إذا ما تم تجاوز أحد أهم مبادئها: تقرير المصير.
ثانيها، فتح الباب أمام إعادة إنتاج التوتر والتصعيد القتالي، بدل حل المشكل. 
وثالثها، إرسال رسالة سلبية إلى مناطق نزاع أخرى مفادها أن الحقوق يمكن أن تُؤجل أو تتقايض.
الشيء الذي يفرض على البوليساريو إعادة تأطير خطابها الاستراتيجي من صراع "ثنائي مع المغرب"، الى قضية "استقرار إقليمي" مهدد بسبب غياب حل عادل، ولماذا لا تبادر عوض انتظار رد الفعل، بإطلاق مبادرة سياسية استباقية قبل اجتماع مجلس الأمن، على سبيل المثال إعلان الاستعداد فورا لمفاوضات مباشرة دون شروط مع المملكة المغربية تكون داخل عاصمة الإقليم العيون أو في أي مدينة من مدن الصحراء الغربية تحت سقف تقرير المصير بحضور امريكي واشراف أممي. إن ذلك سيعزز ثقة الصحراويين وأيضا الفاعلين الدوليين بأن الأمور آخذة طريق الحل الفعلي. من هنا تبعث البوليساريو رسالة قوية الى القوى الكبرى بتقديم نفسها كفاعل منضبط يحترم القانون الدولي ويمكن الوثوق به في بناء السلام.
إن القضية الصحراوية يلزم تقديمها كنموذج لحل قانوني يمنع انزلاق المنطقة الى ما لا يحمد عقباه. وعليه من المهم استثمار ما يجري في الساحل لتعزيز الموقع التفاوضي قبل اجتماع مجلس الأمن، بالحل العادل الذي تطالب به الأمم المتحدة منذ سنة1963 المتمثل في تصفية الإستعمار من الصحراء الغربية الذي هو الضامن الحقيقي للأمن وهو الباب الذي يعطي للجميع فرصة الاستقرار السياسي والاستثمار الاقتصادي والتموضع الفعلي في المنطقة ويعيد للقانون الدولي شيء من الإعتبار أمام الفوضى العالمية الحالية.
بالتالي يظل المسار الأكثر واقعية واستدامة هو ذاك الذي يضمن للشعب الصحراوي حقه في تقرير المصير، في إطار عملية سياسية شفافة وتحت إشراف دولي، بدل محاولة استباق نتائجها أو توجيهها.
قد تبدو المسافة الجغرافية بين مالي والصحراء الغربية شاسعة وأسس الصراع ليست متطابقة، لكن الدرس واحد هو تجاهل الشرعية لصالح الأمر الواقع، لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يؤجل الانفجار.

وبينما يتابع العالم بدهشة ما يجري في مالي، ربما يكون من الحكمة أن يتجنب إعادة إنتاج نفس الأخطاء في نزاع الصحراء الغربية. إن تجاهل الشرعية الدولية يقود حتما إلى دوّامة التصعيد.
بقلم: محمد فاضل الهيط

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...