القائمة الرئيسية

الصفحات

الجزء الثاني: الصحراء الغربية المحتلة في قلب معركة النفوذ

                    


في قلب هذا المشهد المضطرب في الساحل والصحراء، تبرز قضية الصحراء الغربية المحتلة باعتبارها واحدة من أكثر الملفات ارتباطًا بما يجري، لا بوصفها نزاعًا منفصلًا، بل باعتبارها جزءًا من نفس الصراع على النفوذ والسيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
الصحراء الغربية ليست هامشًا جغرافيًا في هذه المعادلة، بل مركزًا استراتيجيًا بالغ الحساسية. فهي تقع عند تقاطع المغرب العربي بالساحل، وعند نقطة تماس بين مشاريع متنافسة: مشروع التحرر الوطني، ومشروع فرض الأمر الواقع بالقوة والدعم الخارجي. لذلك فإن كل تحول في مالي أو النيجر أو ليبيا ينعكس، بشكل مباشر أو غير مباشر، على مستقبل القضية الصحراوية.
المغرب يدرك جيدًا هذه الحقيقة، ولذلك يعمل على توظيف دوره الإقليمي في ملفات الأمن والهجرة لتقديم نفسه كشريك لا غنى عنه للغرب، مقابل غض الطرف عن استمرار احتلاله للصحراء الغربية. وهو لا يتحرك وحده، بل يستند إلى دعم إماراتي واضح، سياسيًا وماليًا، وإلى دعم إسرائيلي متصاعد أمنيًا وعسكريًا واستخباراتيًا، جعل من القضية الصحراوية جزءًا من هندسة إقليمية جديدة، لا مجرد ملف داخل الأمم المتحدة.
الإمارات، التي تقدم نفسها كفاعل استقرار، لعبت في أكثر من ساحة دورًا مقلقًا في دعم سلطات الأمر الواقع، وتغذية مشاريع السيطرة بدل الحلول العادلة. وفي الصحراء الغربية، يظهر هذا الانحياز ضمنيًا في دعم الطرح المغربي، وفي الانخراط ضمن شبكة مصالح إقليمية ترى في استمرار الاحتلال ضمانًا لمعادلات النفوذ، لا خطرًا على الشرعية الدولية.
أما إسرائيل، فهي ترى في الصحراء الغربية فرصة استراتيجية مزدوجة: أولًا عبر ترسيخ التحالف مع المغرب كمنصة أمنية واستخباراتية في شمال إفريقيا، وثانيًا عبر توسيع حضورها في عمق الساحل وغرب إفريقيا، مستفيدة من هشاشة الأنظمة ومن حاجة بعض الأنظمة إلى الدعم الأمني الخارجي. وهنا تتحول القضية الصحراوية من ملف تحرر وطني إلى ساحة اختبار لمعادلات التطبيع والاختراق الإقليمي.
التحالف المغربي _ الإماراتي_ الإسرائيلي_  لا يتحرك فقط لحماية مصالح ظرفية، بل ضمن مشروع أوسع لإعادة رسم موازين القوة في المنطقة، حيث يتم إضعاف كل صوت تحرري مستقل، ومحاصرة كل مشروع سياسي لا يخضع لمنطق الاصطفاف الجديد. وفي هذا السياق، تصبح الصحراء الغربية واحدة من أهم ساحات هذا الصراع، لأنها تمثل اختبارًا حقيقيًا بين منطق الحق ومنطق القوة.
لكن رغم كل هذه الترتيبات، تبقى الحقيقة الأساسية ثابتة: الصحراء الغربية قضية تصفية استعمار لم تُحسم بعد، وشعبها لم يتنازل عن حقه، وكل محاولات فرض الأمر الواقع لا تلغي جوهر المسألة، بل تؤجل انفجارها.
إن ما يحدث في الساحل اليوم، وما يُراد للصحراء الغربية غدًا، ليس إلا فصلين من رواية واحدة: إضعاف الدولة الوطنية، وتهميش إرادة الشعوب، واستبدال منطق التحرر بمنطق الصفقات والتحالفات العابرة.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: من يحكم مالي؟ بل من يقرر مصير المنطقة كلها؟ وهل تُرسم حدود المستقبل بإرادة الشعوب، أم بأموال العواصم المتدخلة وغرف العمليات المغلقة؟
في هذا السؤال الكبير، تقف الصحراء الغربية لا كقضية مؤجلة، بل كاختبار حقيقي لضمير المنطقة، ولقدرة إفريقيا على حماية حقها في الحرية، بعيدًا عن خرائط الهيمنة الجديدة، مهما تغيرت أسماؤها وأعلامها.

سلامة مولود اباعلي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...