القائمة الرئيسية

الصفحات

الصحراء الغربية.. حين يتحول الصمت إلى عقيدة مفروضة


✍️ محمد قنديل - مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل 

🔻 في المغرب، لا توجد قضية تم تحصينها بالقمع والتقديس القسري مثل قضية الصحراء الغربية، فهي ليست مجرد ملف سياسي أو نزاع إقليمي كما يُسوَّق له، بل هي خط أحمر مصطنع، جدار نفسي وأمني بُني بعناية ليمنع المغاربة من التفكير قبل الكلام، ومن الكلام قبل الإذن... هنا، لا يُسمح لك أن تسأل، ولا أن تشك، ولا حتى أن تهمس برأي خارج النص الرسمي، فإما أن تردد ما يُملى عليك، أو تُصنَّف خائنا، عميلا، إنفصاليا، وعدوا للوطن.
المخزن لم يكتفِ بالسيطرة على الأرض، بل سعى إلى إحتلال العقول، فجعل من قضية الصحراء الغربية سردية مغلقة، مقدسة، غير قابلة للنقاش، وكأنها نص ديني منزّل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حيث يتم تلقينها في المدارس، تكرارها في الإعلام، وفرضها بالقوة في الفضاء العام، حتى أصبح المواطن المغربي محاطا بسياج من الخوف يمنعه من مجرد طرح سؤال بسيط.. ماذا لو كانت الحقيقة مختلفة؟.

كل من تجرأ وخرج عن هذا الإجماع المفروض، وجد نفسه في مواجهة آلة قمع لا ترحم، تبدأ بحملات التخوين والسب من ( القطيع ) الذي تم ترويضه على الطاعة العمياء، ولا تنتهي عند حدود المتابعة الأمنية والقضائية، فهناك من أختُطف، من عُذّب، من لُفّقت له التهم، من حوكم في مسرحيات قضائية بئيسة، ومن إختفى إلى الأبد... في هذا الملف تحديدا، المنظومة لا تناقش بل تعاقب، ولا تُقنع بل تُرهب.

المفارقة الصادمة أن النقاش في جوهره ليس جريمة، بل حق مشروع، فمن حق أي مواطن مغربي أن يناقش القضية من منظور تاريخي، أو قانوني، أو حتى أخلاقي... من حقه أن يسأل عن جذور النزاع، عن مواقف الهيئات الدولية، عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، لكن هذا الحق يُصادر بشكل ممنهج، لأن الحقيقة، ببساطة، تشكل خطرا على الرواية الرسمية، والنظام الذي يخاف من النقاش، هو نظام يدرك هشاشة حججه وزيفها.

لقد تم تحويل الوطنية إلى أداة إبتزاز، إن لم توافق فأنت خائن، إن تساءلت فأنت عميل، إن عارضت فأنت عدو، هكذا تُختزل الوطنية في الولاء الأعمى، ويُقصى كل من يحاول التفكير خارج القالب، لكن الحقيقة أن الوطنية الحقيقية لا تعني الصمت، بل تعني الجرأة على مواجهة الأكاذيب، حتى وإن كانت مغطاة براية وشعارات.

ما دام هذا ( الملف ) يُموَّل من جيوبنا نحن المغاربة، من عرقنا، ومن ضرائبنا التي تُقتطع قسراً من قوت أبنائنا، فلا أحد يملك الحق في إسكاتنا أو مصادرة أسئلتنا... نحن من يدفع فاتورة هذا النزاع، ونحن من يتحمل كلفة سياسات تُتخذ في غرف مغلقة دون حسيب أو رقيب، ثم يُطلب منا التصفيق والإنحناء. 
بأي حق يُفرض علينا الصمت ونحن الممولون؟ بأي منطق تُصرف مليارات من أموال الشعب على مشروع لا يُسمح له حتى بفهم تفاصيله؟ الحقيقة الواضحة التي يحاول المخزن طمسها هي أن هذا النظام لا يرى في المغاربة مواطنين، بل رعايا، مجرد خزينة مفتوحة لتمويل نزواته السياسية وتثبيت شرعيته المهترئة. 
نظام يحتكر القرار، يحتكر الثروة، ويحتكر حتى ( الوطنية )، ثم يطالبك بأن تكون أعمى، أصم، ومطيعا.. لكن هذه المعادلة إنتهت صلاحيتها، فلا وصاية على شعب يدفع الثمن، ولا قداسة لقرارات تُتخذ بإسمه دون إرادته، ومن يدفع يَسْأَل، ومن يُسْأَل يجب أن يُحاسَب.

أنا؛ كواحد من المغاربة القلة الذين إختاروا كسر هذا الصمت، لا أرى في هذا الملف سوى إختبار حقيقي للضمير، بحيث لا يمكن أن أكون ضد الظلم في مكان، وأصمت عنه في مكان آخر، ولا يمكن أن أرفض الإستبداد حين يمسني، وأبرره حين يمس غيري، فالموقف ليس إنتقائيا، بل مبدئي، ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها ليس خيانة، بل هو جوهر العدالة.

كوني جمهوريا، لا أعترف بشرعية نظام يقوم على القمع وتكميم الأفواه، فكيف يُطلب مني أن أعترف له بالسيادة على أرض إنتزعها بالقوة؟ فالسيادة لا تُبنى بالقمع، ولا تُفرض بالدبابات، ولا تُبرر بالدعاية والكذب، السيادة الحقيقية تنبع من إرادة الشعوب، لا من قرارات فوقية تُفرض بالقوة.

المخزن يدرك أن فتح هذا الملف للنقاش بحرية يعني سقوط القناع، لذلك يحرص على إبقائه مغلقا، محاصرا، وممنوعا، لكنه ينسى أن الأفكار لا تموت، وأن الحقيقة مهما تم دفنها، تجد طريقها إلى السطح، وكلما إشتد القمع، زادت الحاجة إلى الكلام، وكلما ضاق الهامش، إتسعت الجرأة.

فتح باب النقاش حول الصحراء الغربية ليس ترفا فكريا، بل ضرورة أخلاقية وسياسية، وهو خطوة أولى نحو تحرير العقل المغربي من الوصاية، ونحو بناء وعي جماعي قائم على الحقيقة لا على الخوف.. نعم قد يكون الثمن باهظا، لكن الصمت كان دائما أكثر كلفة.
اليوم، لم يعد السؤال هل نناقش؟ بل إلى متى سنستمر في الصمت؟

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...