مرة أخرى أشعر بضرورة رفع التحية والإكبار والتعبير عن عميق الإجلال لهذا الشعب الطيب الصابر الوفي الكريم المترفع الذي رغم كل ماذكرناه من تعقيدات واقعه، ورغم الصدمات العديدة التي تعرض لها في منفاه يبقى دائما حاضرا مستعدا يلبي النداء كلما تعلق الأمر بمصيره.
إنتهت قبل أيام جميع تبعات الذكرى 50 لإعلان الدولة الصحراوية، ودون التطرق إلى محتويات الفعالية المبهرة ومحاولة تقييمها أكتفي بما توقعته – ولست وحدي – بأن تعود الأمور كما كانت، وتتبين خيوط الواقع الذي لم تُفلح البهرجة في تغطيته، خدمات متعبة ومتعثرة وتسيير يعاني من الترهل والتخبط، واقع خدماتي مخيب للأمال، والأدهى والأمر والمفجع بلا خلاف إستمرار العمل ببعض الإجراءات المهينة التي أوضح الحال سلبيتها وعدم جدوائيتها مثل تطبيق الحظر الليلي وكارثة الترخيص وإجراءات إدارية كثيرة أخرى تحتاج الصقل والمراجعة.
من المفيد جدا والضروري تقييم الأنشطة والبرامج والفعاليات، وحسب ماورد في الأخبار تشير التقييمات التي صدرت عن جهات وطنية إلى النجاح الباهر لهذا الحدث (إجتماع أركان الجيش واللجنة الوطنية المشرفة على التحضير له، وكلاهما برئاسة الأمين العام للجبهة ورئيس الدولة).
في تقديري والمنطق الذي أراه فإن قاعدة التقييم بعد القرار التاريخي 13 نوفمبر 2020 تنطلق وتُبنى على مقدار ما نحققه ونسعى به لتحرير ولو شبر واحد من الأرض، والوصول إلى ما يمكننا من التأثير الفاعل والموجع على العدو. وبناءا على مسطرة التقييم هذه أترك للقراء تولي إصدار الحكم على الحدث بالنجاح من عدمه.
الجبهة: بدأت بنهج ثوري قيم ومرغوب متماسك المبادئ واضح الأهداف مما شكل ترغيب للشعب ودفعه للإلتفاف حولها وتبنيها وتوقيع العهد التحريري معها وإعتمادها ومنحها حصرية تمثيله لتحقيق الآمال التي كان يحتاجها.
مع مرور الزمن بدأ التآكل يمس الكثير من تلك القيم والمبادئ ليس بفعل عدم واقعيتها لكن بسبب أن الطلائع إما غيرت الأفكار في أذهانها دون أن تعلن ذلك للشعب، أو أنها من الأصل لم تؤمن بمحتوى الثورة الذي نادت به.
في تقديري لو أن جبهة البوليساريو (بالنخبة التي تولت زمامها) قادت كفاح شعب آخر غير الشعب الصحراوي لفشلت في الإستمرار بعد مؤتمر أو إثنين على أبعد تقدير، من حسن حظها وسوء حظه أنها بائعت هذا الشعب النادر الطيب الذي تحكمه أخلاق وصفات نادرة الوجود.
إذا كانت الدولة تحتفل بيوبيلها الخمسيني، فإن الجبهة التي ولدت قبل الدولة بسنوات ظهرت عليها ملامح الخريف، وسقطت أوراق كثيرة مما يستر المستور، فهي رائدة التحرير والخريطة تتحدث عن نفسها، وهي تصدح بشعارات مغرية كبناء الإنسان وتحريره وهجرة الكفاءات وركوب الشباب لقوارب الموت مؤشر سلبي يشوه الشعار، تنادي بمجتمع واع وقادر ونوعي وواقع المخيمات سواء التعليمي او الخدماتي أو الأمني له دلالاته، ومن ناحية العمق فمنذ سنوات عديدة لم تنظم الحركة أي نشاط فكري أو ندوة أو نقاش لإطاراتها، وتدعي في صميم بناءها ضرورة التواصل بين الأجيال والصور في جميع المناسبات دليل دامغ على القطيعة مع ثلاث أجيال متتالية، وفي أحايين لا تحصى يواجه المجتمع أحداث أو هزات أو أخبار يحتاج فيها التوضيح والتوعية ولم يصدر عن التنظيم أي بيان أو إنارة مما يعكس واقع الحال ووضوحه.
ومع ذلك وبالعودة دائما إلى صانع المعجزات الشعب الصحراوي، يبقى هذا التقييم جزء من مراحل عديدة طبعت مسيرة ثورته، بالتأكيد سيتغلب عليها بفعل الزمن وليس بفعل وبراعة تدبير من يتولى زمام الأمور، بعيدا عن العواطف تعتبر المرحلة الحالية خطوات باهتة الأثر تحتاج إلى تقوية الذات وصقل المحتوى ودقة ترتيب الأولويات بعيدا عن البهرجة والزغاريد والشعارات.
حمادي البشير
