لا يمكن لأي قلم منصف إلا أن يبدأ من حيث يجب أن يبدأ: من الشعب. من هذا الشعب الصابر، الصامد، الذي حمل القضية على كتفيه نصف قرن دون أن يتعب من الحلم، ودون أن يساوم على الحق، ودون أن يبدل العهد. شعبٌ رغم قسوة اللجوء، وضيق المخيمات، وتراكم الخيبات، ما يزال كلما نودي للمصير لبّى، وكلما تعلق الأمر بالوطن حضر، وكأن الثورة ما تزال في يومها الأول.
لقد مرت احتفالات اليوبيل الخمسيني لإعلان الجمهورية الصحراوية وسط زخم كبير، وفعاليات ضخمة، وصور رسمية مبهرة، وخطابات تؤكد النجاح الباهر لهذا الحدث الوطني. لكن السؤال الحقيقي لا يُقاس بحجم المنصات ولا بعدد الوفود ولا بزينة المشهد، بل يُقاس بما بعد انتهاء الاحتفال: ماذا تغير في واقع الناس؟ ماذا تحقق في معركة التحرير؟ وهل انعكس هذا اليوبيل على حياة المواطن البسيط أو على مسار الكفاح الوطني؟
للأسف، ما إن انطفأت أضواء المناسبة حتى عاد الواقع كما هو، بل أكثر وضوحًا. خدمات مترهلة، إدارة مثقلة بالبيروقراطية، معاناة يومية في أبسط الحقوق، واستمرار إجراءات أثبتت فشلها وإهانتها للمواطن، من الحظر الليلي إلى تعقيدات التراخيص وغيرها من الممارسات التي لا تخدم إلا تعميق الفجوة بين المواطن ومؤسسات يفترض أنها وجدت لخدمته لا لتعذيبه.
إن تقييم أي حدث وطني بعد قرار 13 نوفمبر 2020 لا ينبغي أن يكون بروتوكوليًا أو إعلاميًا، بل يجب أن يكون ميدانيًا: هل اقتربنا من تحرير الأرض؟ هل أصبح العدو أكثر ألمًا؟ هل استعدنا زمام المبادرة؟ لأن الثورة لا تُقاس بعدد الاجتماعات، بل بمقدار التقدم نحو الهدف المركزي: الاستقلال الكامل.
أما الجبهة، التي كانت يومًا عنوان الثورة، وبيت الأمل، وصوت التحرير، فقد بدأت ملامح الخريف تظهر عليها بوضوح. ليس لأن المبادئ التي انطلقت منها كانت خاطئة، بل لأن كثيرًا ممن تولوا حملها لاحقًا تخلوا عنها، أو فرغوها من مضمونها، أو تعاملوا معها كشعار لا كمشروع تحرري.
جبهة البوليساريو وُلدت كحركة تحرر وطني، تحمل مشروعًا واضحًا لبناء الإنسان قبل الدولة، ولتحرير الأرض قبل المناصب، ولصناعة الوعي قبل صناعة الواجهة. لكن مع مرور الزمن، تساقطت أوراق كثيرة، وغابت الروح التي صنعت البدايات. أصبح الشعار أكبر من الممارسة، والخطاب أوسع من الفعل، والهوة بين القيادة والقاعدة أكثر اتساعًا.
حين نتحدث عن بناء الإنسان، فإن هجرة الشباب وركوبهم قوارب الموت صفعة مؤلمة لهذا الشعار. وحين نتحدث عن المجتمع الواعي، فإن التراجع التعليمي والخدماتي والأمني يفضح هشاشة الواقع. وحين نتحدث عن التواصل بين الأجيال، فإن الصور الرسمية وحدها تكفي لإثبات القطيعة بين القيادة وثلاثة أجيال متعاقبة لم تعد ترى نفسها داخل المشروع الوطني كما يجب.
الأخطر من ذلك، أن الحركة التي يفترض أن تكون مصنعًا للفكر الثوري، غابت عنها الندوات الفكرية، والنقاشات الجادة، وتأطير الإطارات، والتوضيح السياسي للمجتمع في لحظات الهزات والأزمات. أصبح الصمت سيد الموقف، وكأن التنظيم اكتفى بإدارة الواقع بدل قيادته وتغييره.
ومع ذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يزال قائمًا على الشعب الصحراوي، هذا الشعب الذي أثبت دائمًا أنه أكبر من أخطاء المرحلة، وأعمق من ارتباك القيادات، وأقدر على إنقاذ ثورته حين تتعثر. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب الحية قد تتأخر لكنها لا تموت، وقد تُخذل لكنها لا تستسلم.
يوبيل الدولة يجب أن يكون لحظة مراجعة لا لحظة تصفيق، وخريف الثورة يجب أن يكون إنذارًا لا قدرًا محتومًا. فالقضية أكبر من الأشخاص، والثورة أقدس من المناصب، والتحرير لا تصنعه البهرجة ولا الزغاريد، بل تصنعه الإرادة الصلبة، والصدق مع الشعب، والعودة إلى جوهر المشروع الوطني الأول.
بين يوبيل الدولة وخريف الثورة، تبقى الحقيقة الوحيدة الثابتة: أن الشعب الصحراوي ما يزال مستعدًا، وما تزال الثورة ممكنة، إذا وُجد من يضع الوطن فوق الحسابات، والتحرير فوق المصالح، والتاريخ فوق اللحظة.
سلامة مولود اباعلي
