القائمة الرئيسية

الصفحات

من الحياد إلى الضبابية: التوازن المستحيل في السياسة الموريتانية.

                  


لم يعد من الممكن تفسير السلوك السياسي الموريتاني في محيطه الإقليمي بمنطق “الحياد” البسيط، بقدر ما أصبح يعكس حالة متقدمة من الضبابية، حيث تختلط البراغماتية بالتردد، وتتحول المناورة إلى غيابٍ لخطٍ سياسي واضح. إنها سياسة تحاول إرضاء الجميع، لكنها في العمق تُثير شكوك الجميع.
في علاقتها مع الجزائر، لا يمكن إنكار حجم الدعم الذي حظيت به موريتانيا، دعم بلغ مستويات استثنائية، من بينها مسح الديون وتخفيف الأعباء الاقتصادية، فضلًا عن التعاون في مجالات الأمن والطاقة والتجارة. هذا النوع من الدعم لا يُفهم فقط في سياقه الاقتصادي، بل يحمل دلالات سياسية عميقة، تعكس رغبة في بناء شراكة استراتيجية مستقرة.
غير أن هذا الدعم لم يُقابل بموقف سياسي واضح. ظلت نواكشوط تتحرك بحذر مفرط، تحرص على الاستفادة من الجزائر دون أن تُترجم ذلك إلى اصطفاف صريح، وكأنها تخشى ثمن الوضوح أكثر من كلفة الغموض. وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل يمكن لدولة أن تستفيد بهذا الحجم، ثم تظل خارج أي التزام سياسي حقيقي؟
في المقابل، تستمر العلاقات مع المغرب، رغم إرث تاريخي ثقيل لا يمكن تجاهله، حيث شككت أدبيات سياسية سابقة_ كما عبّر عنها علال الفاسي _ في كيان الدولة الموريتانية، وحتى الملك الجسم الثاني نفسه؛  مما ترك أثرًا عميقًا في الوعي السياسي. ومع ذلك، تواصل موريتانيا هذا المسار، بدافع الجغرافيا والمصالح، في مشهد يعكس براغماتية تتجاوز أحيانًا حدود الاتساق.
أما في ملف الصحراء الغربية المحتلة، فإن التناقض يبلغ مداه. فموريتانيا التي كانت طرفًا في تقسيم الإقليم بموجب اتفاقية مدريد الثلاثية، عادت لاحقًا لتعترف بـ الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية. غير أن هذا الاعتراف ظل في إطار رمزي، دون أن يتحول إلى سياسة عملية تعكس التزامًا فعليًا، ما جعل الموقف الموريتاني أقرب إلى “الحياد البارد” منه إلى موقف مبدئي واضح.
وفي ظل مرجعية الأمم المتحدة التي ما تزال تعتبر الصحراء الغربية إقليمًا غير متمتع بالحكم الذاتي، وتدعو إلى حل قائم على تقرير المصير، يبدو أن موريتانيا اختارت البقاء في منطقة مريحة ظاهريًا، لكنها مكلفة سياسيًا على المدى البعيد: منطقة لا تُغضب أحدًا بشكل مباشر، لكنها أيضًا لا تُرضي أحدًا بشكل كامل.
إن حصيلة هذه السياسة تكشف بوضوح عن معادلة مختلة:
استفادة واضحة من الجزائر، دون التزام سياسي مكافئ.
علاقات مستمرة مع المغرب، رغم ذاكرة الشك التاريخي.
اعتراف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، دون ترجمة فعلية على الأرض.
وهنا يتجسد “التوازن المستحيل”:
سياسة تقوم على الجمع بين المتناقضات، وعلى تأجيل الحسم بدل مواجهته، وعلى إدارة اللحظة بدل بناء الموقف.
لكن هذا النهج، وإن بدا ناجحًا في تجنب الصدمات الآنية، يحمل في داخله بذور ضعفه. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على المناورة، بل أيضًا بوضوح خياراتها حين تتقاطع المصالح مع المبادئ. والاستمرار في هذه الضبابية قد يمنح موريتانيا هامش حركة مؤقت، لكنه يضعف مصداقيتها، ويجعلها دائمًا في موقع المتردد، لا الفاعل.
وفي عالم إقليمي سريع التحول، قد لا يكون أخطر ما تواجهه الدول هو الانحياز، بل العجز عن اتخاذ موقف.
سلامة مولود اباعلي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...