القائمة الرئيسية

الصفحات

أسرار محرّمة ووقائع صادمة.. زلزال إبستين يضرب الإمارات والمغرب



أسرار محرّمة ووقائع صادمة.. زلزال إبستين يضرب الإمارات والمغرب
ربيعة خطاب - الأيام نيوز
مع توالي الكشف عن الوثائق المرتبطة بملفات جيفري إبستين، تتكشّف تدريجيا خيوط شبكة معقّدة، من النفوذ السياسي والاقتصادي والدبلوماسي العابر للحدود. فهذه التسريبات لا تقتصر على إعادة طرح الأسئلة، حول الجرائم التي ارتبطت باسم إبستين، بل تفتح أفق مساءلة أوسع، بشأن قدرته على اختراق دوائر القرار والنخب، وتوظيف علاقاته في تقديم خدمات ووساطات، وفتح قنوات تأثير غير رسمية داخل دول متعددة. وفي هذا الإطار، تبرز معطيات لافتة تتعلق بكل من الإمارات والمغرب، سواء من حيث كثافة الأسماء الواردة في الوثائق، أو طبيعة الصلات التي ربطت إبستين بشخصيات نافذة، أو استمرار التواصل معه، رغم إدانته القضائية في الولايات المتحدة.
هذه الوقائع، بما تحمله من إشارات مقلقة، تطرح تساؤلات جدية حول آليات الرقابة، وحدود التداخل بين النفوذ السياسي والمال والعلاقات الشخصية، فضلا عن دور "القوة الناعمة" والوساطات غير المعلنة في صناعة القرار. ومن هذا المنطلق، حاولت "الأيام نيوز" تفكيك دلالات هذه الملفات، عبر قراءة تحليلية تستند إلى تصريحات خبراء في الشؤون السياسية والأمنية، وإلى أبرز ما كشفته الوثائق المسربة.

تشير الوثائق المرتبطة بملفات إبستين إلى نمط معقّد من العلاقات التي ربطته بشخصيات إماراتية نافذة، لا سيما في مجالات الموانئ والاستثمار والسلك الدبلوماسي، وهي علاقات لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق أوسع يتعلّق بالاعتماد على وسطاء غير رسميين والعمل خارج القنوات المؤسسية التقليدية، بما يفتح المجال أمام تداخل المصالح وتوسّع مساحات النفوذ غير المعلن.

أحمد البحري
أحمد البحري

في هذا الإطار، يصرّح المحلل السياسي، أحمد البحري، من اليمن لـ"الأيام نيوز"، بأن ما تكشفه مراسلات جيفري إبستين مع شخصيات إماراتية نافذة "لا يمكن اختزاله في إطار علاقات شخصية أو تواصل اجتماعي عابر، بل يعكس نمطا متكررا من الاعتماد على وسطاء غير رسميين للقيام بأدوار تتقاطع مع مجالات النفوذ السياسي والاقتصادي، وحتى الدبلوماسي". ويضيف البحري أن خطورة هذا النمط تكمن في التفافه على القنوات المؤسسية، وخلقه "مساحات رمادية تسمح بتمرير صفقات أو فتح قنوات تأثير دون خضوعها للرقابة القانونية أو البرلمانية".

هذا التوصيف يجد صداه في ما ورد في الوثائق حول دور إبستين كوسيط محتمل لترتيب محادثات تجارية تتعلق باستثمارات إماراتية في البنية التحتية النيجيرية، حتى عام 2018، عبر شركة "DP World"  التابعة لـ"دبي وورلد"، وهي شركة استثمارية مرتبطة بحكومة دبي. فاستمرار التواصل مع إبستين في هذا المستوى، رغم سجله القضائي المثير للجدل، يثير تساؤلات حول معايير التدقيق المعتمدة في مثل هذه الوساطات.

مؤشرات خطورة.. عندما تتقاطع المصالح مع الانتهاكات

الأخطر في الملفات المتعلقة بالإمارات لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو الدبلوماسي، بل يمتد إلى معطيات شديدة الحساسية تتعلق بمراقبة أطفال وتتبع تحركاتهم واختبارات الحمض النووي وطلبات "صور أطفال". وهي معطيات، بحسب أحمد البحري، "كان يفترض أن تُفعّل آليات تدقيق وتدخل فوري".

ويؤكد البحري لـ"الأيام نيوز" أن "استمرار أي تداخل اقتصادي أو دبلوماسي في ظل هذه المؤشرات يكشف عن قصور في أنظمة التحقق والمساءلة، ويشير إلى أن اعتبارات المصالح والاستثمار طغت على معايير الحذر القانوني والأمني". هذا القصور، وفق قراءته، يطرح إشكالا واضحا في منظومة الرقابة داخل الدولة، ويكشف هشاشة محتملة أمام اختراقات المال والعلاقات الشخصية.

وتعزز هذه القراءة الرسائل الإلكترونية المنسوبة إلى سلطان أحمد بن سليّم، رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي لشركة "موانئ دبي العالمية"، والتي تحدث فيها عن "أحذية أطفال ذكية" مزودة بأجهزة تتبع (GPS)، وردّ إبستين عليها بإعجاب واضح. كما يثير ظهور اسم مستشارة إماراتية، عزيزة الأحمد، في سياق شحن مجموعة اختبار الحمض النووي "23and Me"، مخاوف إضافية بشأن طبيعة الاستخدامات المحتملة لهذه الأدوات، خاصة في ظل الاشتباه بتسهيل إرسال ضحايا إلى جزيرة إبستين.

وتكشف الوثائق كذلك عن معطيات مثيرة للجدل تتعلق بالسفير الإماراتي في واشنطن، يوسف العتيبة، ودوره في تنظيم حفلات صاخبة خلال عامي 2003 و2004، ممولة من أموال السفارة، لما يسمى بـ"فريق ألفا". والأخطر، وفق التسريبات، هو إرسال العتيبة بريدا إلكترونيا إلى أحمد بن سليّم يطلب فيه "صور أطفال" مرتبطة بدائرة جيفري إبستين.

هذه الوقائع، إلى جانب تقاطعات أخرى مثل دعم الإمارات لمليشيا الدعم السريع في السودان عبر شركة "آي.إم.آي"، كما أفادت تقارير إعلامية، ترسم صورة مقلقة لتشابك الدبلوماسية، المال، والوساطات غير الرسمية. ويظهر من خلالها كيف استغل إبستين "القوة الناعمة" ووصوله إلى النخب لتجاوز وضعه كشخص منبوذ في الولايات المتحدة، بينما مثّل بالنسبة لأبوظبي بوابة إلى دوائر صنع القرار ومراكز الفكر الأمريكية.

المغرب.. التكرار الكثيف ودلالاته

إذا كانت حالة الإمارات تكشف عن اختراق عبر الوساطة والنفوذ الاقتصادي، فإن حالة المغرب تطرح أسئلة من نوع آخر، تتعلق بالتحوّل المحتمل للمجال الوطني إلى نقطة جذب آمنة لشبكات دولية، تنشط خارج دوائر الشفافية والرقابة. وتشير الوثائق إلى تكرار لافت لكلمتي "المغرب" و"مراكش" في تسريبات إبستين، حيث وردت الأولى 1561 مرة، والثانية 2278 مرة. هذا التركيز الجغرافي، بحسب المحلل السياسي نور الدين شعباني، "لا يمكن قراءته بوصفه صدفة أرشيفية".



نور الدين شعباني
ويصرّح شعباني لـ"الأيام نيوز" بأن هذا التكرار "يعكس استمرارية في الوجود والتواصل جعلت من المغرب نقطة حضور ثابتة داخل شبكة علاقات إبستين الدولية". ويضيف أن جوهر المسألة لا يكمن في كل لقاء على حدة، بل في "نمط التكرار والزمن الممتد"، ما يشير إلى أن المملكة شكّلت فضاء مريحا للحركة والاتصال، لإجراء وساطات غير معلنة تتصل بإعادة تدوير النفوذ وفتح قنوات تأثير خارج الأطر القانونية التقليدية.

وتعزز هذه القراءة المعطيات المتعلقة بلقاءات إبستين مع شخصيات قريبة من مراكز القرار في المغرب، من بينها الطيب الفاسي الفهري، مستشار الملك محمد السادس لأكثر من 16 عاما، ومصطفى التراب، الرئيس المدير العام لمجموعة"OCP" . كما حضر إبستين ومساعدته غيسلين ماكسويل حفل زفاف الملك محمد السادس عام 2002، وهو ما يعكس مستوى اختراق اجتماعي ورمزي لا يمكن تجاهله. وبرأي شعباني، فإن الخطورة هنا "لا تكمن في إثبات تورط مباشر، بل في تحوّل المجال الوطني إلى نقطة جذب آمنة لشبكات دولية تعمل في مناطق رمادية بين النفوذ، المال، والعلاقات الشخصية".

ما بعد 2008.. سؤال الشفافية والتنسيق الأمني

الأكثر إثارة للتساؤل هو استمرار استقبال إبستين في المغرب بعد إدانته القضائية سنة 2008 في الولايات المتحدة. فقد قام بعشرات الزيارات، كان آخرها سنة 2019، أي بعد عقد كامل من تلك الإدانة. ووفق معطيات رسمية، تم الإبلاغ عن هذه الزيارة الأخيرة من قبل المديرية العامة للأمن الوطني المغربية بناء على طلب أمريكي، دون أن تحظى بتغطية إعلامية تذكر.

وفي هذا السياق، يؤكد نور الدين شعباني لـ"الأيام نيوز" أن هذه الوقائع "تطرح إشكالا تحليليا يتجاوز الشخص ذاته إلى آليات التنسيق المؤسسي والأمني". فالإدانة القضائية، بحسبه، "كان من المفترض أن ترفع مستوى الحذر وتُفعّل إجراءات تدقيق مشددة، لا أن يمرّ الأمر في إطار صمت إعلامي ورسمي كامل".

ويرى شعباني أن هذا الصمت "لا يعني بالضرورة وجود تواطؤ، لكنه يكشف عن حدود الشفافية في التعامل مع الملفات الحساسة ذات البعد الدولي"، ويطرح تساؤلات حول فعالية تبادل المعلومات مع الشركاء الأمنيين، ومدى إدماج السمعة القضائية للأفراد ضمن منظومات التقييم الدبلوماسي والأمني.

وعلى العموم، تكشف ملفات إبستين، في حدود ما أتاحته الوثائق المنشورة حتى الآن، وفي شقها المتعلق بالإمارات والمغرب، عن مشهد معقّد لشبكات نفوذ عابرة للحدود، تتحرّك في مناطق رمادية تفصل بين الرسمي وغير الرسمي، وبين الاستثمار المشروع وممارسات الوساطة الملتبسة. وهو مشهد لا يقدّم خلاصات قطعية بقدر ما يفرض طرح أسئلة حرجة حول فعالية آليات الرقابة، ومستوى الشفافية، وحدود تداخل المصالح السياسية والاقتصادية مع القيم القانونية والأخلاقية.

وبينما تختلف السياقات السياسية والمؤسسية بين البلدين، فإن القاسم المشترك، كما تظهره هذه الملفات، هو قابلية بعض الدوائر للاختراق عبر المال والعلاقات الشخصية، و"القوة الناعمة"، في غياب مساءلة واضحة أو نقاش عمومي صريح. وهي أسئلة تبقى مفتوحة، بانتظار إجابات لا تصنعها التسريبات وحدها، بل تفرضها إرادة سياسية حقيقية في كشف الحقيقة ومساءلة من يجب مساءلته.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...