القائمة الرئيسية

الصفحات

عمدة توجنين… عندما يتحوّل الخطأ الفردي إلى خدمة مجانية للاحتلال



في خرقٍ واضح للموقف الوطني الراسخ لموريتانيا، حكومةً وشعبًا ونُخبًا، من قضية الصحراء الغربية، والمتمثّل في الاعتراف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، يفاجئنا عمدة توجنين ــ وهو شخصية منتخبة عن الحزب الحاكم، ويفترض أنه يعبّر عن الموقفين الرسمي والشعبي معًا ــ بعقد لقاءات مع الطرف المحتل للأراضي الصحراوية، في خطوة لا يمكن تفسيرها إلا باعتبارها محاولة لتكريس الاحتلال المغربي لمدينة الداخلة الصحراوية، عبر ما سُمّي زورًا “اتفاقيات شراكة” بين بلديته وبلدية الداخلة التابعة للمحتل.
ويبدو أن هذا العمدة ــ عن قصد أو عن جهل ــ لم يدرك أن مثل هذه “الاتفاقيات” لا تحمل أي قيمة حقيقية للطرف المغربي من حيث المضمون أو النتائج، بقدر ما تمثل له مكسبًا سياسيًا ودعائيًا بالغ الأهمية، يتمثل في انتزاع موقف من جهة موريتانية رسمية، يُستغل لاحقًا لتكريس رواية الاحتلال حول “تطبيع” علاقاته مع مؤسسات موريتانية، بعد أكثر من خمسين سنة من الفشل في اختراق الموقف الموريتاني الثابت، الذي ظل حريصًا على عدم الانجرار إلى أي تصرف يمكن تفسيره كخرق لسياسة الحياد الإيجابي.
لقد وجد المحتل المغربي ضالته في هذا التصرف المعزول، الصادر عن عمدة حفر بيده قبر مستقبله السياسي، حين زجّ بنفسه وبالجهة التي يمثلها ــ دون تفويض ولا شرعية وطنية ــ في مستنقع دعاية الاحتلال، متسببًا في موجة سخط شعبي واسعة، وواضعًا الدولة الموريتانية كلها في موقف حرج لا تتحمّل مسؤوليته.
ومن المهم التنبيه هنا إلى أن هذا التصرف لا يمكن فصله عن سوء التقدير السياسي، وغياب الحد الأدنى من الوعي بطبيعة الصراع وحساسيته، وهو ما يجعل صاحبه مسؤولًا مسؤولية كاملة عن تبعاته السياسية والأخلاقية. فالقضية الصحراوية ليست مجالًا للمناورات الفردية، ولا ساحة لتجريب “الاجتهادات” غير المحسوبة، خاصة حين تصدر عن منتخب يفترض فيه الالتزام الصارم بالثوابت الوطنية.
ومع ذلك، فإن هذا السلوك المدان لن يؤثر على زخم التعاطف الفطري والعميق الذي يكنّه الشعب الموريتاني للقضية الصحراوية، بل قد يكون، بحق، من قبيل “رُبَّ ضارّةٍ نافعة”، إذ أعاد التذكير بصلابة الموقف الشعبي، وبيّن أن أي خروج فردي عن هذا الإجماع مصيره العزلة والرفض.
وسيظل هذا التصرف فعلًا معزولًا لا يعبّر عن الدولة الموريتانية، ولا عن مؤسساتها، ولا عن الشعب، ولا حتى عن القواعد الشعبية للحزب الحاكم في توجنين، التي منحت ثقتها لهذا العمدة ثم اكتشفت ضحالة تكوينه السياسي وخطورة تهوّره. ولن يمرّ هذا الخطأ دون ثمن، فمثل هذه القضايا لا تحتمل العبث، ومن يسيء التقدير فيها يدفع الثمن، سياسيًا وأخلاقيًا، عاجلًا أو آجلًا.

بقلم الإعلامي الموريتاني: مولاي ابراهيم مولاي البخاري

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...