القائمة الرئيسية

الصفحات

قضية الصحراء الغربية بين تصفية الاستعمار والتسوية السياسية

  


في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة، تعود قضية الصحراء الغربية إلى الواجهة من جديد بعد استقبال وفدي طرفي النزاع من لدن الإدارة الأمريكية الأسبوع الماضي تعود لا من زاوية البحث عن حل نهائي بقدر ما من زاوية تغيير طبيعتها.  فبينما لا تزال الأمم المتحدة تُدرجها ضمن قضايا تصفية الاستعمار، تتزايد محاولات تقديمها كـ " نزاع سياسي إقليمي"، وهو تحول ظاهره براغماتي، لكنه يحمل في عمقه آثارًا قانونية وسياسية بعيدة المدى.
في القانون الدولي، لا يُعدّ التوصيف مسألة شكلية. فطريقة تعريف النزاع تحدد المرجعية التي يُحل ضمنها، والحقوق التي يُعترف بها، والآليات التي تُعتمد لإنهائه. حين تُوصَّف قضية ما كتصفية استعمار، يصبح حق الشعوب في تقرير المصير مبدأً مؤسسا لا يمكن تجاوزه. أما حين تُقدم كنزاع إقليمي، فإنها تنتقل إلى منطق التسويات السياسية، حيث تُوزن الحقوق بميزان القوة والمصالح وفي هذا الإطار يأتي التسويق لما يسمى بالحكم الذاتي كحل "واقعي" وربما هناك وجبات سريعة أخرى كحلول ستقدم على مائدة التسويات المنتظرة.
محاولات إعادة توصيف قضية الصحراء الغربية كنزاع إقليمي من طرف أمريكيا وبعض القوى الأخرى تقوم على أساس إنهائها بالسرعة المطلوبة، حتى لو كان ذلك عبر حلول "واقعية" تُقدَّم باعتبارها أقل كلفة سياسيًا. في هذا السياق، يُنظر إلى مسار تقرير المصير عبر استفتاء مسار طويل، معقّد، وغير مضمون النتائج، مقابل تسوية تفاوضية أسرع، وإن كانت أقل انسجامًا مع القانون الدولي.
غير أن التاريخ القريب يُظهر أن تغيير التوصيف ليس خطوة محايدة، بل أداة سياسية استُخدمت مرارًا لتقييد أو تأجيل حقوق الشعوب في تقرير المصير.

في تيمور الشرقية، جرى تصوير القضية بعد انسحاب البرتغال على أنها مسألة اندماج وسيادة داخلية. وقد أدى ذلك إلى تجميد حق تقرير المصير لعقود، قبل أن يعود بقوة مع تغيّر موازين القوى الدولية، لأن توصيف تصفية الاستعمار ظل قائمًا في الأمم المتحدة. 
في ناميبيا، حاول النظام العنصري في جنوب إفريقيا تحويل سيطرته إلى قضية إدارة إقليمية وأمن إقليمي، غير أن التمسك الأممي بأساس القانون الدولي أفضى في النهاية الى الاستقلال.
وفي اريتيريا الأمم المتحدة نفسها تخلت عن مبدأ تصفية الاستعمار ودفعت الشعب الإرتيري الى القبول بالحكم الذاتي مكرها تحت الاحتلال الأثيوبي الشيء الذي كلف الشعب الأريتيري حمل السلاح بعد ذلك بسنوات للعودة من جديد الى القانون الدولي وتحقيق الاستقلال.
 
أما في فلسطين، فقد نجحت عملية التحويل التدريجي من قضية تصفية الإستعمارلشعب تحت الاحتلال إلى "نزاع فلسطيني–إسرائيلي"، ما أدى إلى إدارة الصراع بدل إنهائه، وتآكل المرجعية القانونية لحق تقرير المصير بعد الدخول في لعبة التسويات السياسية بدءا بمفاوضات أصلو العاصمة النرويجية. أصلو التي يقال إنها ستكون محطة المفاوضات القادمة حول الصحراء الغربية وما ذلك إلا نذير شؤم.
هذه النماذج الأربعة تبيّن أن معركة التوصيف غالبًا ما تسبق معركة الحل. وحين تُربح الأولى، يصبح التحكم في الثانية أسهل. في ضوء ذلك تقف قضية الصحراء الغربية اليوم أمام خيارين واضحين:

إما الإبقاء عليها ضمن إطار تصفية الاستعمار، بما يعنيه ذلك من مركزية الأمم المتحدة ووضوح المرجعية القانونية،
وإما القبول الضمني بإعادة تعريفها كنزاع إقليمي، ما يفتح الباب أمام حلول سياسية قد تُفرض خارج منطق تقرير المصير.
الجدل لا يدور فقط حول الحلول المطروحة، بل حول السياق الذي تُطرح فيه. فحتى المقترحات التي تُقدَّم باعتبارها تسويات عملية، تفقد طابعها الاختياري إذا جرى فصلها عن الحق الأصيل للشعب الصحراوي في اختيار مستقبله بحرية.
التجربة الدولية تُظهر أن الحقوق لا تُلغى دفعة واحدة، بل تُستنزف تدريجيًا، عبر تغيير اللغة، ثم المرجعية، ثم سقف التوقعات. ولهذا، فإن النقاش حول توصيف قضية الصحراء الغربية ليس سجالًا لغويًا كما يعتقد البعض، بل نقاش حول مستقبلها السياسي والقانوني.
في عالم تحكمه موازين القوة، قد يبدو الدفاع عن التوصيف القانوني مسارًا بطيئا وغير مجد. غير أن التاريخ يؤكد أن القضايا التي حافظت على تعريفها القانوني كقضايا تصفية استعمار حتى في لحظات الضعف، كانت الأقدر على استعادة حقوقها لاحقًا.
من هنا، يمكن القول إن أي تحييد قيد أنملة عن التصنيف الأممي للقضية الصحراوية كقضية تصفية استعمار وحلها يبقى في إطار القانون الدولي وتحت مظلة الأمم المتحدة، ستكون عواقبه وخيمة ولا شك أن القيادة السياسية للبوليساريو مدركة لذلك أيّما إدراك. يبقى على النخب الصحراوية خاصة منها الإعلامية أن تتقدم الصفوف لشد أزر الوفد المفاوض وحماية ظهره، داخليا بتقوية الوحدة الوطنية وخارجيا بالدفاع عن القضية أمام محاولات الالتفاف عليها. فالصحراويون يعرفون كيف يرفعون التحدي وكيف يواجهون تقلبات موازين القوى الدولية و لن تذهب تضحيات  خمسين عاما سدى.
بقلم: محمد فاضل الهيط

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...