القائمة الرئيسية

الصفحات

قراءة متآنية لنص أو مقال البشير مصطفى السيد.

       


لا بوصفه تعليقا سياسيا عابرا أو موقفا انفعاليا من تطور ظرفي، بل هو نص صادر عن ذاكرة قيادية عميقة التجذر في مسار الجبهة، وعن تجربة طويلة في إدارة الصراع، سياسيا وعسكريا وتفاوضيا. فالرجل الذي أدار التنظيم السياسي للجبهة خلال ستة عشر عاما من الحرب الأولى، وكان كبير مفاوضيها عند خروج مخطط السلام الأممي–الإفريقي لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية، لا يكتب من خارج الملف ولا من هامشه، بل من قلبه، وبوعي كامل بتفاصيله وتشعباته ومآلاته المحتملة. هذه الخلفية تجعل مقاله أقرب إلى شهادة تحذير من الداخل، لا إلى رأي معارض أو تصفية حساب.

النص، في جوهره، لا ينشغل بالمفاوضات الرباعية بوصفها حدثا مستقلا، بل يتخذها مدخلا لكشف خلل أعمق يتصل ببنية القيادة وطريقة إنتاج القرار. الإشارة إلى تشكيل وفد مفاوض من جهاز العلاقات الخارجية، وإشراف الرئيس الشخصي على تسييره، مقابل غياب مكتب الأمانة وفقدانه النصاب القانوني، ليست معطيات تقنية محايدة، بل إدانة سياسية صريحة لمسار انزلق فيه القرار المصيري من الإطار الجماعي والمؤسساتي إلى الدائرة الفردية الضيقة. ما يقوله النص، دون أن يعلنه مباشرة، هو أن القضية لم تعد تُدار بمنطق حركة تحرر ذات مؤسسات، بل بمنطق إدارة ملف حساس في ظل فراغ دستوري وتنظيمي.

محاولة إحاطة هذه المفاوضات بالسرية لا تظهر، في قراءة البشير مصطفى السيد، كخيار نضالي مشروع، بل كعرض من أعراض الارتباك والعجز عن التبرير والإقناع. السرية هنا ليست لحماية قوة، بل للهروب من أسئلة يعرف أصحاب القرار مسبقا أنهم لا يملكون أجوبة مقنعة عنها. ولذلك يؤكد الكاتب أن أمرا بهذه الشحنة الإعلامية والنفسية لا يمكن حجبه، لا سيما وأن الطرف الأمريكي لا يتحرك بدافع الحياد أو الحرص على العدالة، بل بدافع صناعة إنجاز سياسي سريع يُسوَّق داخليا وخارجيا، ولو على حساب جوهر الحق.
في هذا السياق، لا يرى الكاتب في الإشراف الأمريكي مجرد وساطة، بل هندسة كاملة للمسار والنتائج. فالدولة التي تمسك بقلم مجلس الأمن، والتي صاغت أسوأ القرارات نصا وروحا، لا يمكن أن تكون حكما نزيها. والمفاوضات، وفق هذا المنظور، ليست بحثا مفتوحا عن تقرير المصير، بل إدراجا للقضية ضمن أجندة أوسع تشمل سباق الجوائز السياسية، وتوسيع دائرة التطبيع، والزحف على الثروات والممرات، وتطويق نفوذ الصين وروسيا. دخول قيادة ضعيفة داخليا في هذا النوع من المسارات، من دون سند مؤسساتي أو شرعية متجددة، يعني مسبقا اختلال ميزان القوة.
أما الطرف المغربي، فلا يقدَّم في النص بوصفه منتصرا بقوته الذاتية فقط، بل مستفيدا أساسا من ضعف خصمه. فقدرته على قلب الأدوار، وتقديم الجزائر كطرف رئيسي، والبوليساريو كطرف ثانوي أو مراقب، لم تأتِ من فراغ، بل من تفكك الداخل الصحراوي وتغييب مؤسساته وانفراد قيادته بالقرار. هنا يصبح الخطر الحقيقي ليس في دعاية الخصم، بل في الفراغ الذي يسمح له بأن يملأ المشهد كما يشاء.

الأشد خطورة في تقدير البشير مصطفى السيد هو أن الهدف النهائي لهذا المسار قد لا يكون فرض حل سياسي معلن بقدر ما هو تجريد تدريجي من أدوات التأثير والمقاومة. الهدنات، ووقف إطلاق النار، والمسارات الطويلة المائعة، ليست في نظره إجراءات تقنية، بل أدوات إنهاك معنوي وسياسي، تقود إلى اليأس وتصدع الصف وتفريغ القضية من قدرتها على الفعل. وهو، بحكم خبرته التفاوضية السابقة، يدرك كيف تتحول الضمانات المؤقتة إلى قيود دائمة، وكيف يُدفن الاستفتاء دون إعلان وفاته.

ومع ذلك، لا ينتهي النص إلى استسلام قدري. فاستحضار المثل الحساني لا يأتي لتبرير العجز، بل للتأكيد على أن اللحظة حرجة وأن الخيارات ضاقت، لكن ترك “السيف في عرين الأسد” هو الخطر الأكبر. والسيف هنا لا يُختزل في السلاح، بل يشمل وحدة الصف، وشرعية المؤسسات، والقرار الجماعي، والقدرة على قول لا حين يصبح التنازل مسارا لا رجعة فيه.

بهذا المعنى، فإن مقال البشير مصطفى السيد هو إدانة هادئة ولكن عميقة لنمط حكم آخذ في التكلس، وتحذير من أن القضايا العادلة لا تُهزم فقط بالقوة الخارجية، بل أيضا حين تُدار بعقلية فردية، وتُفرَّغ مؤسساتها، ويُطلب من شعب أن يتحمل نتائج خيارات لم يُستشر فيها. خطورة النص لا تكمن في تشاؤمه، بل في صدوره عن رجل يعرف الحرب والسلم والتفاوض، ويعرف جيدا كيف تُخسر القضايا باسم الواقعية، وكيف يبدأ التفريط حين يُغيب الداخل قبل أن يُواجه الخارج.

بقلم  سلامة مولود اباعلي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...