القائمة الرئيسية

الصفحات

عندما تتكلم الخرائط… وتسقط أساطير السيادة.

  


 

لم يكن ما حدث تفصيلاً عابرًا ولا خطأً تقنيًا يمكن تجاوزه ببلاغ توضيحي أو تبرير دبلوماسي مرتبك. لقد كانت لحظة كاشفة، لحظة اصطدام مباشر بين الواقع كما تقره الشرعية الدولية، وبين سردية سياسية بُنيت على مدى عقود من التزييف الممنهج. خريطة واحدة، صامتة، بلا خطابات ولا شعارات، كانت كافية لنسف بناء دعائي كامل من جذوره.
في عالم السياسة قد تُحرّف الكلمات، وقد تُشترى المواقف، وقد تُدار المعارك عبر الإعلام واللوبيات، لكن الخرائط الرسمية تظل من أكثر الوثائق عنادًا في مواجهة التزوير. لأنها لا تخضع للخطابة، ولا تنحني أمام النزعة الوطنية المصطنعة، بل تُرسم وفق قواعد القانون الدولي، حيث لا مكان للإنكار ولا للاجتهاد الدعائي.
حين تظهر الصحراء الغربية خارج حدود الدولة المغربية في خريطة صادرة عن مؤسسة قارية، فالأمر لا يتعلق بموقف سياسي ظرفي، بل بتكريس قانوني لوضعية واضحة: إقليم لم يُحسم مصيره بعد، وقضية لا تزال مدرجة ضمن مسار تصفية الاستعمار. تلك الحقيقة التي حاول النظام طمسها طويلًا عبر تدجين التعليم، وتسليح الإعلام، وتزوير الخرائط، وشراء المواقف بالإغراءات، وفرض الصمت بالابتزاز، ثم الترويج لقنصليات وهمية لا وزن قانوني لها.
المفارقة اللافتة أن هذا الانكشاف لم يحدث في أروقة الأمم المتحدة، ولا في تقارير المنظمات الحقوقية، بل وقع في حدث رياضي وعلى أرض خاضعة لسيطرة الدولة نفسها، وتحت أعين مؤسساتها وأجهزتها. هنا تتجلى هشاشة البناء الدعائي: حين تعجز السلطة عن الاعتراض، وتلوذ بالصمت، لأن أي اعتراض كان سيعني مواجهة مباشرة مع القانون الدولي لا مع خصم سياسي.
لقد اعتادت السلطة تقديم كل قرار أممي قابل للتأويل على أنه “نصر دبلوماسي”، وكل صيغة غامضة على أنها اعتراف بالسيادة. لكن الواقع أكثر صلابة من أن يُختزل في بلاغات رسمية. فلا السيادة تُفرض بالتكرار، ولا الجغرافيا تُعاد صياغتها عبر الإلحاح الإعلامي، ولا الاحتلال يتحول إلى حق تاريخي بمجرد كثافة الشعارات.
ما كُشف في تلك اللحظة هو أن الدولة التي تبني سرديتها على الخرائط المزورة تعيش في خوف دائم من الخريطة الحقيقية. لأن الخريطة، حين تُرسم خارج دائرة الرقابة، تُظهر الفاصل الدقيق بين الواقع والادعاء، بين ما هو قائم بحكم الأمر الواقع وما هو معترف به قانونيًا.
الأكثر إحراجًا أن ماكينة الدعاية، التي طالما خوّنت كل من تحدث بلغة القانون الدولي، وجدت نفسها عارية. سنوات من التخوين والتجييش سقطت أمام وثيقة واحدة لا تصرخ ولا تهاجم، لكنها تقول ببساطة: هذا هو العالم كما هو، لا كما تريدونه أن يكون.
الدرس واضح وقاسٍ في آن واحد: يمكن للسلطة أن تضغط، أن تموّل، أن تشتري الصمت أو الولاءات، لكنها لا تستطيع أن تفرض اعترافًا قانونيًا غير موجود. لا يمكن في إعادة رسم الجغرافيا بالإنكار، ولا تحويل الاحتلال إلى سيادة عبر البلاغات.
ستظل الصحراء الغربية قضية تصفية استعمار إلى أن يُمارس شعبها حقه في تقرير المصير، وستظل كل محاولات التزييف مجرد طبقات طلاء سرعان ما تتقشر عند أول احتكاك بالحقيقة.

2025/12/24
سلامة مولود اباعلي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...