القائمة الرئيسية

الصفحات

بين عين بنتيلي وعين ترامب 2025

 


في مسار القضية الصحراوية، تتقاطع محطتان تحملان اسمين متشابهين، لكن بمعنيين متناقضين: عين بنتيلي سنة 1975 وعين ترامب سنة 2025. 
الأولى كانت ميلاد الوحدة الوطنية الصحراوية التي جسدت إرادة الشعب في تقرير مصيره تحت راية الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، أما الثانية فهي محاولة من النظام المغربي لتزييف مفهوم الوحدة الوطنية، عبر إعلان “عيد وطني” جديد في 31 أكتوبر 2025، استنادًا إلى مقترح أمريكي في مجلس الأمن لم يؤكد أي سيادة مغربية على الصحراء الغربية، بل أشار فقط إلى أن مقترح الحكم الذاتي يمكن أن يكون أحد الحلول الممكنة، مع التأكيد الصريح على احترام مبدأ تقرير مصير الشعب الصحراوي. 

في الثاني عشر من أكتوبر 1975، ومن منطقة عين بنتيلي التاريخية، أعلن الشعب الصحراوي يومه الخالد: عيد الوحدة الوطنية. هناك، حيث امتزجت إرادة التحرر بنبض الجماهير، انصهرت القبائل والتيارات السياسية في جسد واحد خلف الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب. كانت تلك الوحدة فعلًا وطنيًا خالصًا، لا بإملاء خارجي ولا بمناورة دبلوماسية، بل قرارًا شعبيًا حرًا هدفه بناء وطن على أساس العدالة والسيادة والكرامة. ومنذ ذلك اليوم، بقيت عين بنتيلي رمزًا لوحدة المبدأ والمصير، وعنوانًا للنضال من أجل الاستقلال والحرية. 

على النقيض من ذلك، يطل ملك المغرب في 31 أكتوبر 2025 معلنًا عن "عيد وطني جديد" سماه عيد الوحدة، في خطوة أثارت استغراب المتابعين قبل أن تُثير فخر الموالين. غير أن التساؤل المشروع يبقى: أي وحدة هذه التي تُعلن استنادًا إلى مقترح أمريكي غير ملزم في مجلس الأمن؟ فالوثيقة الأمريكية الأخيرة التي بُني عليها هذا القرار لم تُقرّ بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، بل قالت بوضوح إن مقترح الحكم الذاتي يمكن أن يشكل أحد الحلول الممكنة، على أن يتم ذلك مع احترام مبدأ تقرير مصير الشعب الصحراوي، وهو جوهر النزاع وركيزته القانونية في الأمم المتحدة. 
بمعنى آخر، ما حاول النظام المغربي تصويره كـ"اعتراف أممي بالوحدة الترابية" ليس سوى قراءة انتقائية ومضللة لوثيقة دبلوماسية، لا تُلغي حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، بل تُعيد تأكيده بوضوح أكبر. 

إن الفارق بين عين بنتيلي وعين ترامب ليس في الزمن فحسب، بل في الجوهر والمصدر. فالأولى ولدت من شرعية النضال والإرادة الجماعية التي جسدتها الجبهة الشعبية، بينما الثانية تستند إلى شرعية مفترضة مستعارة من الخارج. في عين بنتيلي، توحّد الصحراويون لأنهم أرادوا بناء وطنهم بأيديهم، أما في عين ترامب فقد حاول النظام المغربي فرض وحدة وهمية بقرار خارجي، مستغلًا دعمًا مؤقتًا من واشنطن أو مناورة سياسية في أروقة مجلس الأمن. 

وليس غريبًا أن يلجأ النظام المغربي إلى تزييف الرموز وتحريف التواريخ. فقد اعتاد أن يحتفل بـ"عيد الاستقلال" في 18 نوفمبر، رغم أن وثيقة الاستقلال وُقّعت في 3 مارس 1956، لأن تاريخ 3 مارس يوافق ذكرى اعتلاء الملك محمد الخامس العرش. وهذا يُظهر أن الرموز الوطنية في المغرب تُحدَّد وفق رغبة القصر لا وفق الوقائع التاريخية. واليوم يتكرر المشهد نفسه، فبعد أن جاء المقترح الأمريكي بعبارات مشروطة وغير حاسمة، حاولت الرباط تحويله إلى "عيد وطني رسمي"، رغم أن الأمم المتحدة لا تزال تعتبر الصحراء الغربية إقليمًا غير متمتع بالحكم الذاتي ينتظر تطبيق مبدأ تقرير المصير. 
فشتّان بين من يوحّد شعبه على الأرض، ومن يبحث عن وحدته في مكاتب مجلس الأمن. 
وشتّان بين من يصنع التاريخ بدماء الشهداء، ومن يزوره بتصريحات خارجية. 
ستبقى عين بنتيلي منارة لكل الأحرار، 
وستبقى عين ترامب شاهدًا على زمنٍ حاول فيه الاحتلال أن يصنع من الوهم عيدًا، 
لكن التاريخ لا يُكتب بالتغريدات ولا بالمقترحات، بل بإرادة الشعوب التي لا تُهزم. 
هدي لحبيب حمادي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...