يبدو أن مسودة القرار الأخيرة حول الصحراء الغربية ليست سوى فصلٍ جديد من مسرحيةٍ طويلة، تُكتب فصولها في عواصم المال والنفوذ لا في قاعات الأمم المتحدة. فبين سطورها يظهر بوضوح أثر «البزنسة» السياسية التي دشّنها دونالد ترامب حين حوّل المبادئ الأممية إلى أوراق تفاوضٍ تجارية: الاعتراف بالسيادة مقابل التطبيع، والشرعية مقابل الصفقات.
منذ «صفقة القرن»، واللغة السياسية الأميركية صارت تُقاس بالدولار لا بالقانون الدولي. واليوم، نرى صدى تلك الصفقة في «صفقة الصحراء الغربية»، حيث يُعاد تسويق مقترح الحكم الذاتي المغربي — الذي ظلّ مجمّدًا لعقود — كأنه اكتشاف جديد أو «الحل الواقعي». لكن الواقع الحقيقي أن واشنطن، ومن خلفها بعض القوى الأوروبية، وجدت في هذا الملف مجالًا لتصفية الحسابات الجيوسياسية مع الصين وروسيا، ولإعادة ترتيب الحلفاء على مقاسها، ولو على حساب حق الشعوب في تقرير مصيرها.
المخزن المغربي أتقن لعبة الابتزاز الدبلوماسي حتى صارت سياسةً قائمة بذاتها. من بيغاسوس إلى شراء الذمم في البرلمان الأوروبي، ومن «القنصليات الوهمية» في مدنٍ صحراوية لم تطأها قدم دبلوماسي، إلى توظيف المال والسياسة في كسب الولاءات، استطاع النظام أن يبني شبكة نفوذ تمتد من باريس إلى واشنطن. ومع كل صفقة، يُدفن جزء من الحقيقة، ويُغتال مبدأ من مبادئ الأمم المتحدة التي تحوّلت — للأسف — إلى سوقٍ لبيع المواقف والقرارات.
إنها «ديبلوماسية المقايضة» التي جعلت من قضية عمرها، أكثر من، نصف قرن مادة للمزايدة. قُدّمت الصحراء الغربية، كهدية في صفقات تطبيع، وتحوّلت المفاوضات إلى مزادٍ سياسي تُعرض فيه الولاءات بأثمانٍ مختلفة. والأنكى من ذلك أن مؤسساتٍ دولية يفترض فيها الحياد، باتت تُعيد إنتاج رواية طرفٍ واحد وكأنها حقيقة نهائية.
لكن خلف هذا المشهد الملوَّن، هناك مغربٌ داخلي يغلي. تقارير دولية وإعلامية تتحدث عن غياب الملك لأسبابٍ صحية غامضة، وعن صراع أجنحة في القصر بين تياراتٍ أمنية واقتصادية تتنافس على النفوذ. وبينما تُقدَّم قضية الصحراء الغربية، كرمزٍ لـ«الوحدة الوطنية»، تُستخدم في الواقع كأداة لتوحيد الداخل المأزوم وستر التناقضات المتفاقمة: بطالة، غلاء، احتقان اجتماعي، وجيلٌ جديد بدأ يفقد الثقة في روايات الدولة.
جيل Z المغربي، الذي فتح عينيه على عالمٍ رقمي لا يمكن تزييفه، بدأ يطرح الأسئلة التي كانت محرّمة: من يستفيد من هذا الصراع الطويل؟ ولماذا تُصرف المليارات على شراء صمت العواصم بدل تحسين أوضاع المواطنين؟ جيلٌ يرى أن الوطنية لا تُقاس بالشعارات، بل بالكرامة، بالشفافية، وبمستقبلٍ مفتوح على المشاركة لا على الخوف.
أما الشعب الصحراوي، الذي يدفع ثمن هذه «البزنسة السياسية»، فقد صار عليه اليوم أن يتمسّك بوعيه أكثر من أي وقتٍ مضى. الوعي بأن الحق لا يُشترى ولا يُباع، وأن تقرير المصير ليس منحة من قوةٍ عظمى بل حقٌ تولده الإرادة والمقاومة الذكية. العالم تغيّر، وموازين القوة لم تعد تُقاس بالدبابات فقط، بل بالرأي العام، بالصورة، بالمعلومة، وبالإصرار على سرد الحقيقة من قلب الميدان لا من مكاتب السفراء.
لقد تحوّل الصراع في الصحراء الغربية إلى مرآةٍ تكشف عورات النظام الدولي: كيف يمكن للدول الكبرى أن تتحدث عن «حقوق الإنسان» وهي تبارك صفقات تقايض الحق بالاعتراف؟ وكيف يمكن للأمم المتحدة أن تبقى «وسيطًا نزيهًا» وهي ترضخ للضغوط المالية والسياسية من عواصم النفوذ؟
إن أخطر ما في هذه المسودة ليس لغتها السياسية المنحازة، بل التحوّل الممنهج في المفاهيم: من «الاستفتاء» إلى «الحكم الذاتي»، من «الشرعية الدولية» إلى «الواقعية السياسية». هذا التحوّل ليس بريئًا، بل هو نتاج شبكة مصالح دولية وإقليمية تُعيد تعريف العدالة بما يناسب المستثمرين في النزاعات.
الصفقة التي بدأت من البيت الأبيض وجدت طريقها إلى أروقة الأمم المتحدة، ثم إلى عواصم تُدار بالصفقات لا بالمبادئ. لكن الشعوب — مهما خُدعت مؤقتًا — تمتلك ذاكرة طويلة. الوعي الجمعي لا يُقمع، وجيل جديد في المغرب كما في الصحراءاالغرببة، يعرف أن «الاستقرار المصنوع من الخوف» لا يدوم، وأن بناء سلامٍ حقيقي يبدأ من الاعتراف بالحق، لا من تزييفه.
قد تُكتب مسودات كثيرة، وقد تُعقد موائد
المفاوضات بأضواء الكاميرات، لكن التاريخ لا يرحم من تاجر بالأرض والكرامة. ومن يتاجر اليوم سيجد غدًا أن الشعوب — مهما صبرت — لا تنسى.
سلامة اباعلي
