القائمة الرئيسية

الصفحات

الذكرى الخمسون للوحدة الوطنية

 


في مسيرة الأمم، تأتي لحظات التاريخ الفاصلة ، أنَّ الوحدة الوطنية التي تجسدت في الثاني عشر من أكتوبر لتلك اللحظة المتألقة التي انكسرت عندها قيود التشرذم، وانتصرت إرادة الشعب على مقاسات الضياع التي فرضتها رياح التجزئة والتيه. 
 نتناول هذه الوحدة ليس كحدث سياسي فحسب، بل كقصيدة ملحمية كتبها الشعب الصحراوي بدمائه وإرادته.
لطالما كان "الشتات" هو العنوان الأبرز للوجود الصحراوي لعقود، كانت الأرض تتكلم بألسنة متفرقة، والهموم تتوزع على بقاع المعمورة، والذاكرة الجمعية تحمل جراحًا من صدمة الفراق والتشتت. لقد كان ذلك "الضياع" ليس مجرد تشتت جغرافي، بل كان اغترابً عن الذات، وتشويشًا للهوية، وتقطيعًا لأوصال الجسد الواحد.
لكن من أعماق ذلك "العدم" الوطني، بدأت تتشكل ملامح "الكون" فالوحدة الوطنية لم تكن مجرد لقاء، بل كانت استعادة للروح. لقد مثلت القطع مع "عهد الضياع" حيث لم يعد الصحراوي لاجئا على هامش التاريخ، بل أصبح صانع له. إنها الرد الحاسم على كل من ظن أن الشتات قدر لا مرد له، فأتت الوحدة لتقول: إن الأمة التي تلد من رحم معاناتها هي أمة خالدة
لم تكن "الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب" حزبًا سياسيًا بالمعنى الضيق، بل كانت البوتقة التي انصهرت فيها كل شرائح المجتمع الصحراوي. جاءت القبائل والعائلات، المثقفون والرعاة، الشباب والشيوخ، حاملين معهم تنوعهم وثراءهم، ليصبوه في مشروع وطني واحد.
هذا "الانصهار" هو أعظم دليل على نضج الوعي الوطني. فلم تذِب الخصوصيات، بل ذاب التناقض أمام هدف التحرير والبناء. لقد حوَّلت الجبهة "الكثرة" الاجتماعية إلى "قوة" وطنية متماسكة، وأصبحت الإطار الذي يحمي هذا الكيان من عوامل التآكل والتمزق. هنا، لم يعد الانتماء للقبيلة أو المنطقة ينافس الانتماء للأمة، بل أصبح جزءًا من نسيجها المتين. لقد أدرك الصحراوي أن قوته في وحدته، وأن حريته في تماسكه.
إن تخليد "يوم الوحدة الوطنية" بعد نصف قرن من إعلانها، هو فعل مقاومة بحد ذاته. إنه ليس مجرد احتفالٍ بالذكرى، بل هو تجديد للعهد، وتأكيد على أن المسيرة مستمرة. هذه الذاكرة الحية هي التي تحولت إلى سلاحٍ يفنّد كل الادعاءات الباطلة للعدو.
فالعدو الذي يتغنى بـ"اندثار الدولة الصحراوية وتشرذمها" يجهل – أو يتجاهل – أن الأمة التي استطاعت أن تنتقل من الشتات إلى الوحدة، هي أمة قد اختبرت معنى الوجود، ولن تعود إلى العدم. إن هذا التخليد هو رسالة واضحة مفادها: "كلما حاولتم محو وجودنا، تذكرنا لماذا نوجد". إنها إجابة عميقة، لا بالكلمات وحدها، بل بالممارسة اليومية والتضحيات المتواصلة، على أن الدولة الصحراوية ليست أثرًا من آثار الماضي، بل هي حقيقة راسخة في الوجدان، ومشروع مستقبلي لا يمحى.
الوحدة الوطنية الصحراوية هي الجواب الأبدي على سؤال البقاء، وهي الدرع الذي يحمي الهوية من عبث الطامعين.  وفي كل ذكرى للوحدة، يُعيد الشعب الصحراوي تأكيد حقيقة ثابتة: إن الأمة الموحدة هي الأمة الأبدية، وما دام القلب ينبض بالوحدة، فإن شمس الحرية ستشرق لا محالة.
  بقلم : عبدالله بوشعاب

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...