وصلني مقال جميل كتبه غيثي النح عن المقاتل التاقي باهية، ورأيت إنها مناسبة لنتذكر، جميعا، هذا المقاتل الفذ، الأسطورة كنموذج لآلاف الابطال المنسيين مثله، ولو بالحديث والكتابة عنهم وعن بطولاتهم في السجون وفي الخنادق، وذلك أضعف الايمان.
حين أُطلق- سنة 1996م- سراح مجموعة ال66 الذين كانوا أسرى عند العدو المغربي، كان اسم البطل التاقي باهية، من ضمن تلك المجموعة، على كل لسان؛ الجميع كان يريد رؤية التاقي باهية ومصافحته والحديث معه، فهو أسطورة حية قاهرة للسجون والاعتقالات. فالتاقي عاش قدر تجربتي سجن مريرتين كأسير أثناء الحرب الأولى: أُسره الجيش الموريتاني، وبعد إطلاق سراحه ذهب يقاتل فأسره الجيش المغربي، وبعد خروجه من سجن المغرب التحق بجيش التحرير الشعبي الصحراوي وبقي ينتظر إعلان الحرب. لقد قضى هذا البطل خمسة عشر سنة في السجون المعادية.
قبل عملية تورين كاد يقع في ألأسر
أتَّفَقَ إنني زرت التاقي باهية وتحدثت معه. أول انطباع خرجت به أن التاقي، الذي تحول تاريخه إلى أسطورة، ورغم البطولات التي كتب بقهره للسجون، ورغم التاريخ الذي يكلل اسمه، تظن أنه لازال نفس التاقي الذي تطوع في نهاية سنة 1975م مع مجموعة من الشباب للدفاع عن مدينة بئر انزران ضد الغزو الموريتاني والمغربي: نفس التواضع، نفس الزهد، نفس العهد للشعب الصحراوي وشهدائه. يتحدث التاقي باهية عن قدره مع ألأسر، ويذْكر تفاصيل المرة الأولى التي كاد يقع فيها في الأسر ونجا، فيقول:" مباشرة بعد خروج الجيش الاسباني، تشكلت وحدة للتصدي للغزو الموريتاني، في بير انزران، يوم 14 اكتوبر 1975م. كنا حوالي ثمانية رجال ولدينا ثلاثة بنادق؛ كل اثنين أو ثلاثة عندهما بندقية واحدة. بدأنا نرسم خطة للدفاع عن بير انزران، وننتظر المدد والإمداد، وننتظر مزيدا من الرجال. التحق بنا بعض المقاتلين فأصبحنا حوالي سبعة عشر مقاتلا. حفرنا خنادق الدفاع حول قرية بئر انزران وحول المركز، وأقمنا لنا مركزا في الجبل. خضنا بعض المناوشات مع الجيش الموريتاني، لكن في الأيام الأولى من يناير 1976م، تدخلت قوة عسكرية مغربية قوامها اربع مائة جندي واحتلت بئر انزران. في إحدى الليالي قمنا بهجوم في الظلام على تلك القوة المغربية في مركز بئر انزران، وأحرقنا لها شاحنة ج م س، وبعض العتاد وأصبنا بعض جنودها. كنا قليلين ومنهكين من الجوع والعطش، وتنقصنا الذخيرة والسلاح، ومع ذلك قررنا أن نبقى نهاجم القوة المغربية كلما استرحنا أو وجدنا الفرصة. ذات يوم حاصرتنا قوة مغربية من ثلاثة مئة جندي. حدث اشتباك سريع معهم، وفي الدقائق الأولى من الصدام قتلنا قائد القوة وبعض الجنود". من خلال وصف التاقي لطريقة مقتل القائد المغربي، توقعت أن يكون هو الذي اطلق عليه النار من المسافة صفر وقضى عليه، لكنني لم اشأ أن احرجه بالسؤال، لإنني متأكد أنه، بسبب تواضعه، سينفي نسب أية بطولة لنفسه حتى لو كان هو صانعها. يواصل التاقي: "انفصلتُ عن المجموعة ووجدت نفسي وحدي، وجها لوجه، أمام القوة المغربية الجرارة. تبعتني مدرعة "بلاندي" AML فأطلقت عليها الرصاص الحارق وتراجعت رغم أن الرصاص الذي كنت اطلقه عليها لا يؤثر فيها. من خلف الكثبان خرجت قوة أكبر، وبدأوا يطلبون مني الاستسلام ورفع الأيدي، لكن كنت ارد على طلبهم بالرصاص فيتراجعون. تيقنت إنني سأقع في الأسر لامحالة ذلك اليوم، فبدأت أسير بهدوء، ومن حين لآخر، كنت التفت واطلق عليهم بعض الرصاصات فيتوقفون. فجأة تراجعوا وهربوا". أغلب الظن أن ذلك الجيش الكبير الذي كان يطارد التاقي باهية، ظن أنه يقودهم إلى كمين فهربوا. نجا التاقي من ألأسر بفضل قدرة الله. يواصل التاقي: " لم يلقوا عليّ القبض. في تلك المعركة استشهد اثنان من رفاقي منهم الشاب لحميد، 16 سنة. حين عدت إلى مكان المجموعة التي كانت معي لم أجد أحدا".
الأسر في تورين
تورين منطقة توجد شمال شرق مدينة الزويرات، ويوم 6 يونيو1976م، كانت قوة صحراوية- من ضمنها التاقي- تتمركز في تلك المنطقة. في ذلك التاريخ، لم يكن المقاتلون الصحراويون يقومون بأية إجراءات احترازية أو حراسة، فأية قوة تقترب منهم يقتحمونها ويشتتون شملها في دقائق. في ذلك اليوم-6 يونيو- فاجأتهم قوة موريتانية تتقدمها عربات " لبلاندي" المدرعة التي تدخل الحرب أول مرة. هب المقاتلون لملاقاة القوة المعادية بالكلاشات والسلاح الخفيف، لكن كانت المدرعات أقوى من شجاعتهم ورصاصهم. جاء القدر المحتوم الذي لا مفر منه: وقع التاقي في الأسر وهو مجروح رفقة بعض رفاقه.
بعد الأسر في موريتانيا
بعد الخروج من السجون الموريتانية، استقبل الشعب الصحراوي ابطاله الأسرى، وبما أنهم أدوا الأمانة والواجب فقد تم تخيّرهم بالعمل في أي مكان يريدونه. لكن أولئك الأبطال غضبوا من ذلك الطلب،وانتفضوا والتحقوا جماعيا بالجبهات الامامية، منهم من استشهد ومنهم من جُرح ومنهم من ظل يقاتل، ومنهم، مثل التاقي، من عاش محنة الأسر مرة أخرى، لكن هذه المرة على يد الغزاة المغاربة.
الأسر للمرة الثانية قرب گليبات الفولة
صيف سنة 1985م، كان ساخنا جويا ومناخيا وعسكريا. كان الجيش المغربي يبني جدران الذل والعار، وكانت الوحدات الصحراوية تعرقل أعمال البناء بالهجمات والغارات والأقصاف. يوم 7 يوليو من تلك السنة، كان يوما ساخنا، وكان التاقي في مقدمة وحدات الرشاشات، يمتطي طيوطا، يرمي برشاش 23ملم على القوات المغربية المتخندقة في الحزام الرملي. مرة أخرى "إذا حمّ القضاء على إمرئ فليس له بر يقيه ولا بحر". خرجت قوة مغربية، وأثناء التصدي لها انقلبت سيارة البطل التاقي، سقط تحتها جريحا، ووقع في الأسر.
ذكرى بطل شهيد
رغم ذكريات السجن الأليمة والحزينة إلا أن التاقي كان لا يحفل بالحديث عنها. وهو يتحدث معي عن اليوم الذي وقع فيه في الأسر، قال أن ذكرى واحدة من أحداث ذلك اليوم ترفض أن تغادر ذهنه. يسكت لبرهة كأنما يحدث ذاته وذاكرته ثم يقول: "أكثر شيء آلمني ذلك اليوم ليس الجرح ولا الوقوع في الأسر، لكن استشهاد قائد الكتيبة محمد السالك سيدي حمادي الذي حاول نجدتي." يصمت التاقي من جديد ثم يواصل حكيه عن ذلك البطل. بعد التحري عن تلك الحادثة بعد ذلك، قال لي بعض المقاتلين من تلك الكتيبة أن محمد السالك كان هو قائد كتيبة فيلق الرشاشات التابع الناحية الثانية الذي شارك في تلك المعركة. حين علِم محمد السالك، قائد الكتيبة، أن سيارة التاقي انقلبت، وأنه جُرح ولم يستطيع الخروج من تحتها، قرر العودة إليها. دائما حسب المقاتلين الذين كانوا معه، قال لهم: لا يمكن أن اترك أحد المقاتلين جريحا خلفي في يد العدو، خاصة التاقي باهية الذي كان أسيرا عند موريتانيا. لا يجب أن يقع في الأسر مرتين. عاد محمد وزمرته إلى السيارة المقلوبة لإنقاذ التاقي وسط جحيم من رصاص وقذائف العدو. حين وصل إلى السيارة، لمحاولة إنقاذ الرفيق التاقي، أصيب على الفخذين وسقط جريحا، ثم استشهد وهو يحاول انقاذ رفيقه من الأسر ضاربا مثالا رائعا في البطولة.
كان آخر سؤال طرحته على التاقي هو إنني طلبت منه أن يحدثني عن معاناته في السجون، لكنه فاجأني وهو يقول: "إذا كنت صاحب عهد وتتذكر الشهداء دائما لن تحس بالسجن ولا بالقتل".
السيد حمدي يحظيه
