القائمة الرئيسية

الصفحات

الاتصال الأخير: وداع الشهداء ورؤية الصمود


السلام عليك يا مجد في ذكراك الأربعين، وأنت ترتقي حرًا في سماء الوطن، مكللًا بالمجد بين الشهداء والأنبياء والصديقين. سلام عليك وأنت تخطّ أروع أساطير النضال في ميادين العزة والشرف. سلام على الشهداء جميعًا، وعلى نياشينهم وأوسمتهم التي لا تليق إلا بهم، وهم يجابهون الاحتلال الصهيوني بشجاعة، دفاعًا عن كرامة الأمة والمسجد الأقصى.

سلام على جبهات القتال، تلك الحصون الصامدة التي ترابط بشجاعة، تستعرض قوتها العسكرية في وجه المحتل الغاصب. سلام على أحرار العالم، وهم يخوضون معارك التضامن. وسلام خاص على الجزائر الثائرة، وهي تشتبك في ميادين الدبلوماسية دفاعًا عن حقوق الشعب الفلسطيني.

في يومك الأربعين، يا مجد، نستذكرك وأنت تروي أرض مخيم البريج، مخيم الشهداء، بدمك الطاهر. إن "طوفان الأقصى" الذي انطلق في السابع من أكتوبر شكّل منعطفًا استراتيجيًا في مسيرة الصراع الفلسطيني-الصهيوني، محققًا تداعياتٍ كبرى على مستوى المنطقة بأسرها. فغزة، بصمودها أو سقوطها، تحمل مفتاح التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. انتصار المقاومة هو انتصار لمحور الكرامة، وسقوطها لا قدر الله، يعني تكريس محور الشر بقيادة أمريكا.

رغم وضوح هذه المعادلة، فإن أحداث الطوفان أزاحت الأقنعة عن العديد من الأنظمة، وفضحت ازدواجية مواقفها أمام شعوبها. كما أكدت عجز مجلس الأمن، الذي بدا كأداة إعلامية تفتقر لأي صلاحيات حقيقية. من جهة أخرى، عرّت العملية البطولية هشاشة المنظومة العسكرية الصهيونية، وكشفت فشلها الاستخباراتي الذريع، الذي طالما استُخدم كورقة ضغط على بعض الأنظمة للتطبيع.

لقد دمرت المقاومة رموز الصناعات العسكرية الإسرائيلية مثل "الميركافا" و"القبة الحديدية"، ما أدى إلى تراجع قيمتها العسكرية والتسويقية. كما أن الهزائم المتتالية زعزعت الجبهة الصهيونية الداخلية وأربكت صفوف الجيش، مع خسائر متزايدة أثقلت كاهله.

وفي خضم هذه الأحداث، تبرز مساعي جنوب أفريقيا القانونية، التي تسعى لأول مرة إلى محاكمة قادة الاحتلال أمام المحاكم الدولية. كل ذلك يحدث تحت غطاء أمريكي سياسي ولوجستي، يعزز وجود الكيان، ويشرعن قانون الغاب بحق الشعب الفلسطيني.

الاحتلال يستخدم كل أساليب القمع والإبادة الجماعية، مستندًا إلى خطط عسكرية تستهدف تدمير مربعات سكانية وتهجير قسري، إلى جانب التصفيات الميدانية والاعتقالات العشوائية. يحدث هذا وسط صمت عربي ودولي، في ظل غياب أدوات حقيقية تضغط على الاحتلال لكبح جنونه.

أمام كل هذا، يظهر الدور الأمريكي جليًا، حيث يُحرك الملف الفلسطيني بما يخدم مصالح إسرائيل فقط، سواء كان الحاكم جمهوريًا أم ديمقراطيًا. فالحزب الحاكم الحقيقي هو اللوبي الصهيوني، الذي يدير السياسات الأمريكية وفق أجندته، مع اختلاف في الأسلوب بين التشدد والمرونة.

إلى شعبنا الصامد، نقول: صبرتم طويلًا، قاتلتم وجعتم وعطشتم، ولكنكم لم تنكسروا. نعدكم بأننا سنواصل دعمكم بكل وسيلة متاحة، ولن نتخلى عنكم في وجه هذا الدمار الهائل. نناشد كل أحرار العالم: لا تكونوا شهودًا صامتين على مجازرنا وتهجيرنا، بل واصلوا نضالكم حتى الرمق الأخير.
الصورة المرفقة ترمز إلى اللحظة الأخيرة، عندما ودّع الشهيد مجد شقيقه الكاتب عبر الهاتف، مصارعًا الزمن ورافضًا الاستسلام. كان الاتصال الأخير مليئًا بالعزيمة، شاهداً على نضالٍ لا ينكسر، ورغبةٍ في الصمود حتى النهاية.
محمود ابوزبيدة (مناضل فلسطيني من قطاع غزة)

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...