إلتزمت الصمت ردحاً من الزمن، لأن لا أحرج البعض ممن كتب لي الزمن أن أرافقهم على درب النضال، علنا نصل جميعاً إلى الهدف المنشود : تحرير الوطن الصحراوي من الإستعمار الإسباني ضمن الحركة الطلابية الصحراوية اللاجئة في المملكة المغربية، و هي لاجئة في ما أصطلح َعليه “جنوب المغرب”.
لا بد لي هنا من فتح عارضة و سؤال: هل سكان منطقة طرفاية هم مغاربة؟ متى كان ذلك؟
منطقة طرفاية سلمتها إسبانيا للملكة المغربية يوم 14 أبريل 1958، طبقاً لإتفاقية جزيرة “سينترا” البرتغالية بين كل ٍّمن اسبانيا و فرنسا و المملكة المغربية، إعترافاً منهما بالجميل للمغرب على مشاركة الطيران المغربي في إخماد المقاومة الصحراوية ضمن العملية المشتركة التي يطلق عليها الفرنسيون عملية “ايكوفيون” و يطلق عليها الإسبان عملية “تيدي”(Teide) شهر مارس 1958.
سلمتها إسبانيا لسكانها، فالمواطن في هذه المنطقة هو في أرضه، إلا أن بسط مملكة الرباط نفوذها إعتبرت أهلها مغربيين، يتساءل المرء: إذا كانوا كذلك فلم طالَتهم الاعتقالات سنة 1976، و 1981 و الإختطافات دون تمييز و الزج بالنسوة و الشيوخ و حتى الصبايا في السجون المغربية-آكدز، مكونة، مكناس، الرباط، أكادير، الطنطان، الطرفاية، و حتى مناطق جنوب المغرب في محيط وادي نون، الذي تبرهن الإتفاقيات المغربية الدولية خاصةً مع إسبانيا و بريطانيا، و رسائل سلاطين المغرب مع هذه الدول و اعترافهم ضمنها أن سلطتهم و سيادتهم لا تتعدى وادي نون جنوباً-. كل ذلك جزء من الحقائق و لا أرغب الغوص فيه.
فلما تشكلت المقاومة الصحراوية تحت لواء المنظمة الطليعية لتحرير الصحراء بقيادة فقيد الأمة محمد سيد ابراهيم لبصير و التي أعلنت منذ بدايتها عن تحفظها على كل ما هو آت من المملكة المغربية إذ لا يبشر بخير.
المنظمة الطليعية لتحرير الصحراء أطلق عليها الإسبان إسم: “الحزب المسلم”، و للأسف تبنى بعض النيّرين الصحراويين هذا الإسم، ولا تفوتنا الحملة المسعورة التاريخية للإسبان ضد المسلمين.
وصل إشعاع ذلك النبض التحريري إلى الصحراويين في المناطق المجاورة للوطن السليب، عندها تحركت نخبة من الطلبة الصحراويين الدارسين في الجامعات المغربية لنفض الغبار عن السبات العميق الذي طال بعض المواطنين الصحراويين.
و هذا هو البيت القصيد: إتفق الطلبة الصحراويون أن يوصلوا صوت شعبهم إلى كل الجهات النقابية و السياسية و حتى الحكومة المغربية، فكانت الشرارة الأولى خطاب الشهيد الولي مصطفى السيد في مهرجان طلابي بالحي الجامعي بالرباط ديسمبر 1971 لينبه الجميع إلى استعمار وطنه، و ما تعرض له أبناءه من بطش و تنكيل في مجزرة 17 يونيو 1970 و أنتم ِنيام أيها المغاربة الأحرار، وكأن شيئاً لم يكن. بعد ذلك توزع الطلبة الصحراويون إلى ثلاث مجموعات:
1- مجموعة تتصل بالأحزاب السياسية و النقابات المغربية.
2- مجموعة تتصل بالحكومة المغربية.
3- مجموعة تتولى الكتابة في الصحافة المغربية.
المجموعة الأولى قادها الشهيد الولي مصطفى السيد و المجموعة الثانية قادها لحبيب خليلي و المجموعة الثالثة تولى أمرها محمد سيداتي. المجموعة الأخيرة كتبت في مجلة “لماليف” و مجلة “أنفاس”، أما الصحف الأخرى فرفضت الكتابة. تلك الكتابات التي تبنت لأول مرة تسمية: فلسطين جديدة في الصحراء-تنبؤ تحول اليوم إلى حقيقة بعد أن دخل الصهاينة على الخط-. مع ذلك كان على الجميع واجب الإتصال بالفئات الصحراوية من جنود و ضباط و عمال و بطالين و تلامذة ثانويات و النساء عموماً. الحركة كانت موفقة، خاصةً بعد أن تم الإرتباط بالوطنيين الصحراويين من قادة المنظمة الطليعية بالأرض المحتلة، إذ أن تحرير الصحراء الغربية لن يتم من خارج الوطن و هي قناعة كانت راسخة لدى الطلبة. للتوضيح أكثر فإن تلك الثلة من الطلاب إتفقت على:
1- تفادي كتابة المذكرات، سواء للأحزاب السياسية أو النقابات أو حتى الحكومة المغربية، حتى لا يفسر البعض أي إرتباط لذلك التحرك بالدولة المغربية. و لا شك أن النظام المغربي بني َعلى جهاز استخباراتي مضلل و أمن دقيق للتنظيم والخبرة، فلو وجد في أرشيفه مذكرة أو مقال يشتم منه رائحة الإرتباط بالمغرب لأقام الدنيا و أقعدها لتحقيق هدفه، فهل لا أخرج من أرشيفه ما يؤكد ما قاله البعض بأنه كتب مذكرة للحكومة المغربية؟
2- في الكتابة في الصحف المغربية تفادى قَومنا أيضاً كل ما ِمن شأنه أن يوحي بتبعية الساقية الحمراء و وادي الذهب لأي تيار يشتم منه مغربيةْ التصور.
أردت في هذه العجالة أن أنبه إلى أنه لم تكتب أية مذكرة لأية جهة مغربية. أما قومنا في رئاسة المنظمة الطليعية لتحرير الصحراء، الذين خرجوا من النفي أو السجون أرسلوا موفدين عنهم إلى منطقة طرفاية، متسائلين عن هدف الحركة الطلابية الصحراوية و هل هي تابعة للمغرب؟ – الذي كان الفقيد محمد سيد ابراهيم لبصير يخافه إذ لا يؤتمن جانبه- فكان جواب الشهيد الولي مصطفى السيد و رفاقه بعد خروج المجموعة من السجن مايو 1972: “لو كانت الحركة تابعة للمغرب لأقام الدنيا و لم يقعدها لصالحه و لما زج بعناصر الحركة في السجون و عرضهم للتنكيل و التعذيب.”
المثل الصحراوي يقول: “اللي بغى يكذب إبعد اشهودو” ، فالشهود بعضهم ما زال على قَيد الحياة باقون على العهد و الله سبحانه وتعالى يقول: ” ِإِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا” صدق الله العظيم
بقلم:محمد لمين أحمد
