أنا اختلف مع الذين يقولون أن الشجاعة هي في عدم الخوف، لا أعتقد ذلك، من تجربتي المتواضعة في هذه الحياة والمخاطر القليلة التي ركبتها إكتشفت أنني ومن كان معي كان دائما لدينا ما نخشاه، على الأقل كنا نخاف أن نفشل في ما مضينا من أجل تحقيقه، لذلك أعتقد أن الخوف الذي لا يمنعك من مواصلة مهمتك التي بدأتها هو الشجاعة في حد ذاتها، لا يمكن أن لا تخاف، لا يوجد رعب بلا خوف ولا دخان بلا نار ولا رشاش بلا رصاص ولا عدو لا ينوي اضرارك ولا معركة من دون غدر ولا مغامرة من دون تضحية، فلما ننكر الخوف؟، هؤلاء الذين يتظاهرون بالشجاعة وعدم الخوف ربما لم يجربوا ركوب المخاطر قط! ..
نوفمبر 2018 إنتدبته المؤسسة العسكرية لشجاعته وسلوكه لمرافقتي في رحلة *"خاصة جدا"* الى منطقة الگرگارات النقطة الأكثر إثارة للجدل على طول جدار الذل والعار المغربي.
كان الفريق يتكون من أربعة أشخاص شجعان، أمضينا عدة أسابيع معا في تلك البقعة الصغيرة والتي ستتحول فيما بعد الى نقطة كبيرة ومركز لأكبر زلزال تشهده المنطقة منذ ثلاثة عقود، إندلاع الحرب من جديد في الصحراء الغربية.
ورغم المخاطر التي كانت تحيط بنا كان *السالك أحمد* رجلا مثاليا، شابا ناضجا وشجاعا وشهما، رجلا ناكرا لذاته.
بعد أيام من إقامتنا هناك تلقى إتصالا من عائلته بالمخيمات وهم لا يعلمون كما أفراد عائلتي أين نتواجد بالضبط، أخبروه بأن شقيقته ستتزوج وأن عليه الحضور، إقترب مني وحدثني في الأمر، قلت له عليك ان تغادر فورا، وقد تفاجأت بأن نظر إلي قائلا : أخبرتك فقط لتعلم بالأمر وأما مسألة المغادرة فتتوقف على إنتهاء مهمتنا، ثم أضاف : من يدري قد نحظى بشرف الشهادة هنا.
قلت له إلا تخشى أن تفوتك مناسبة شقيقتك؟، قد نمضي عدة أيام أخرى هنا، قال لي: لا يهم لدينا الكثير لنخشى عليه ليس هذا أهمه، لابد ان نكمل هذه المهمة اولا.
عام وأشهر قليلة بعد تلك الرحلة وتحديدا في 17 من ماي 2020 وفي شهر رمضان المعظم رحل السالك إثر حادث سير وهو صائم لربه، رحل وهو يؤدي فريضة دينية وواجب وطني بعد تنقله وزملاء له في جبهات القتال من مكان الى مكان أخر .
بعد أشهر من رحيله وأيام قليل من إندلاع الحرب كانت لي رحلة عملية الى المناطق المحررة مرافقا للجيش، كانت فرصة لأتوقف بمقبرة الشهداء بالقطاع العملياتي أغوينيت المحرر مقر الناحية العسكرية السابعة لأترحم على روح صديقي وأخي الشهيد.
للأمانة لطالما حدثني عن الشهادة، كان شاب رائع، منضبط في واجباته الدينه لا يصلي إلا متوضيا، هادىء جدا وكتوم، وكان رحمه الله أيضا منضبطا في أداء واجباته الوطنية بكل جدية وتضحية.
حزنت كثيرا لرحيله خاصة وان الشاب كان دائما يسألني عن أي عمل يمكن أن يؤديه أثناء عطله القصيرة في المخيمات ليجني منه بعض المال، كان شابا متواضع الحال وكان دائما يخبرني أنه لا يريد مثقال ذرة من مال له صلة بالحرام او بشبهة الحرام لذلك كان يفضل عائدات عرق الجبين مهما كانت قليلة عن أي عائدات أخرى مهما كانت مغرية.
تحول يوم السابع عشر من ماي من كل عام الى فرصة لأكرمه من خلال تذكير الأخرين بخصاله ليجددوا الرحمة على روحه الطاهرة وأرجوا من الله أن يوفقني في تذكيركم بها في كل مرة مادمت في هذه الفانية من بعده.
فرحم الله صديقي وأخي السالك وكل الشهداء.
ولا إله إلا الله محمدا رسول الله.
عبداتي لبات الرشيد
