القائمة الرئيسية

الصفحات


يتبادر لذهن البعض أن التفاهة تقتصر على مواقع التواصل الاجتماعي التي نجحت في ترميز التافهين، لكن الأمر يعدو أن يكون أعمق من ذلك، فهي أوسع انتشارا مما قد نتصور؛ فقد وصلت للنظام الاقتصادي والسياسي وحتى المؤسسات التعليمية، وأصبح المعلم ملقِنا بارعا لجيل هجين من الطلاب، ونحت الجامعات المغربية عن دورها التربوي فأضحت مكانا لتفريخ خبراء يمثلون السلطة لا مثقفون يحملون التزاما أخلاقيا تجاه القيم والمبادئ.
في المغرب، سار كل نشاط سواء سياسي أو إعلامي أو تجاري/ اقتصادي، أقرب للعبة يلعبها الجميع بدون قواعد مكتوبة؛ لعبة تتمثل في الانتماء إلى كيان كبير يستبعد القيم والمبادئ، ابتعد فيه المواطن عن الشأن العام واختزل الحياة في مصالح تتعلق بالربح والخسارة بالمال والثروة والشهرة، حيث الخضوع هنا مطلق وتام لقواعد لعبة تضعها السلطة، وأي شخص كسر هذه القواعد أو فضحها يتم تنحيته شأنه شأن وزير حقوق الإنسان السابق محمد زيان، والصحفيين توفيق بوعشرين وسليمان الريسوني وعمر الراضي.. وغيرهم من المدونين والنشطاء الحقوقيين وشباب حراك الريف الذين اختاروا الخروج عن القطيع وأكدوا بأن لا تنمية مع الفساد.
هو نظام التفاهة الذي أصبح يحكم دولا غير ديمقراطية عديدة ضمنها المغرب، لكن الأمر جد معقد هنا في ظل أوليغارشية بسطت يدها على كل مناحي الحياة وأتت على الأخضر واليابس.
أحد المسؤولين الجماعيين الذي لا يهمنا في هذا المقام لا اسمه ولا الجماعة التي يرأسها بقدر ما يهم معرفة أي نموذج وأية عقلية هاته تسير شؤوننا كمواطنين؛ هذا المسؤول الذي يبدو أنه تماهى كثيرا مع فكرة القداسة، حين وضع منزلة ملكه « فوق الله سبحانه وتعالى » قال هذا في الوقت الذي اعتقد الجميع أن المغرب قطع أشواطا كبيرة بعيدا عن هذا النقاش.
كان دستور 2011 فاصلا؛ فـ«القداسة لله والعِصمة للأنبياء والملك للوطن»، كان هذا كلام الملك محمد السادس، الذي نقله مستشاره في سنة 2011 لعبد الإله بنكيران الذي كان آنذاك رئيسا للحكومة خلال الولاية الأولى لحزب العدالة والتنمية في تدبير شؤون البلاد. وقد جاء هذا الكلام في سياق الجدل الذي كان قائما آنذاك بخصوص عبارة: «الملك مقدس لا تنتهك حرمته» التي وردت في الفصل 19 من الدستور قبل التعديلات الدستورية التي جرت مطلع شهر يوليوز من 2011، دستور جنب المغرب رياح ربيع عربي عصفت بالكثير من الرؤوس في تونس ومصر واليمن وليبيا والبحرين.. وغيرها من الدول العربية.
عبارة: «الملك مقدس لا تنتهك حرمته» تم تعديلها حينئذ وفقا لتصريحات رئيس الحكومة الإسلامي، إلى عبارة: «شخص الملك لا تنتهك حرمته، وللملك واجب التوقير والاحترام»، وذلك بموافقة من الملك نفسه.
أمور كثيرة تم القطع معها في 2011 التي كانت سنة مِفصلية في تاريخ المغرب، لكن سنوات تلتها كـ2016 و2017 و2018 و2019 و2020 و2021 و2022 وأوائل 2023 وما شهدته من أحداث مؤسفة وما تخللها من تحريف للدستور وللمفاهيم ومن استغلال للصفات والألقاب وضربٍ للقيم عموما، بيَّنت أن مسؤولي البلد لم يكتفوا فقط بالالتفاف على الدستور، بل إن صفة القداسة التي تجاوزها دستور 2011 أصبحت ذريعة الآن لكل متربص بالامتيازات والريع، ولكل فارٍ من العقاب ومتجبر طاغٍ.
ليس هذا فقط، فقد أصبحنا نسمع مثلا عن غضبة فوزي لقجع الذي هو بالمناسبة رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم التي تتخبط في الكثير من الفساد المالي والإداري، وغضبة عبد اللطيف الحموشي المدير العام للأمن الوطني الذي تشير إليه الأصابع بخرق الحقوق والحريات والوقوف وراء ملفات اقتيد على خلفيتها صحفيون وحقوقيون إلى السجن، بل إن بعض المطَبلين باتوا يتحدثون عن الحموشي أو عن أخنوش أو عن لقجع أو عن بوريطة كمقدس من المقدسات ممنوع انتقادهم، بل إن مجرد كلمة قد تقود صاحبها للسجن.
وطبعا، بدأت تلوح في الأفق بعض التهم التي باتت جاهزة وصالحة لكل زمان ومكان حماية للمقدس كإهانة رجال القضاء وإهانة موظفين عمومين وغيرها من التهم التي تنضاف إلى سِجل تهم الجنس والاتجار في البشر والتجسس سبب مآسي الكثير من العائلات في هذا الوطن، بل إن الأمور قد تتجاوز ذلك إلى استغلال نصوص قانونية في الدستور ترتبط بحماية مؤسسة دستورية للزج بمواطنين في السجن.. ولكم في سعيدة العلمي الدليل حيث آلة النظام لم تكل ولم تمل من تحريك هذا النوع من المتابعات ضدها.
تحول أغلب المسؤولين في هذا البلد إلى آلهة، وطبعا ليس الأمر بغريب ما دامت المؤسسات العمومية تعج بأميون جدد لا يملكون ملكات المنطق والتفكير النقدي؛ لا يعترضون ولا يعارضون، فقط ينفذون ويلعبون اللعبة كما لُقنت لهم، سيرا على نهج المجتمعات غير الديمقراطية.
هؤلاء المسؤولون تجدهم في كل مكان؛ في الإدارات العمومية وفي المؤسسات الكبرى، في الأبناك، وفي المقاطعات، في مراكز القرار وحتى في الحكومة، وعلى ذكر الحكومة، ما الذي قدمته لنا كمواطنين؟ بعد تفكير طويل وعميق سيكون جوابك أنت القارئ بالنفي – لا شيء، صفر إنجاز وإجهاز مطلق على الحقوق والحريات بل وحتى المكتسبات.
وسيجيب ناطقهم الرسمي الذراع اليمنى لعزيز أخنوش، من قال إن الحكومة لم تحقق شيئا فهو أفاك عظيم؛ فقد قال رئيس الحكومة المغربية خلال المجلس الحكومي الأخير بأن جميع أسعار الخضر والفواكه واللحوم جد مستقرة وبأن ثمن السردين هو 5 دراهم فقط في الوقت الذي يباع ويشترى في الأسواق الوطنية بـ20 درهم. سيحلف بأغلظ الأيمان بأن الحكومة كانت أيضا مواطنة بعدم إيجادها حلولا شعبية وجادة لأزمة الغلاء في أسعار المحروقات على الرغم من انخفاضها في السوق الدولية، كما أن ساهمت بشكل كبير وبفضل قرارات وزرائها في اتساع دائرة الفقر بعدما جعلت الثروة موزعة بمقادير على عائلات معدودة على رؤوس الأصابع قال زيان إن عددها ثمانون، وقالت منيب إنها 150 عائلة. الحكومة أيضا جعلت رقعة البطالة تتسع أكثر فأكثر بعدما وزعت المناصب على أبناء الأعيان ومسؤولين وزاريين فيها، في إطار النزاهة والشفافية التي تتمتع بها، كما أن رحلة لساعات من وسط المغرب إلى شماله الشرقي كافية لتعطيك صورة موجزة عن فشل المخطط الأخضر الذي ضخت فيه الدولة ميزانيات ضخمة قدرت بالملايير، ولن نذكر هنا بأن وزير الفلاحة المعني بهذا المخطط الفاشل هو نفسه رئيس الحكومة الحالي الذي يتمتع بالرضى المطلق، فلو كان في دولة غير المغرب لكان قد أقيل منذ زمان. أيضا، سيجيبنا ناطقهم الرسمي بأن الحكومة أظهرت إيمانها القوي بدولة الحقوق والحريات وهي تتفرج على أجهزتها ومؤسساتها الأمنية والقضائية وهي تبادر لاعتقال الصحفيين وسحْل المدونين إلى السجن، وتصويرهم عراة، والتنكيل بعائلاتهم وتهديد من تبقى منهم ممن لم ينخرط في اللعبة بعد، اللعبة هنا ليس ما تكلم عنه الفيلسوف الكندي «آلاند دونو» وإنما لعبة «شوف واسكت».
لكن هل تتوقعون حجم المبالغ التي تصرف شهريا لصناعة الفشل من طرف هذه الحكومة المحظية؟ هذه بعض الأرقام التي قد تصيبكم بالتخمة؛ فرئيس الحكومة مثلا يقبض كمرتب شهري 32 ألف درهم، بينما يتقاضى باقي الوزراء 26 ألف درهم شهريا لكل فرد، وكتاب الدولة 20 ألف درهم، ونواب كتاب الدولة 16 ألف درهم، بالإضافة إلى التعويضات العائلية، وتعويضات عن التمثيل تخصص لتغطية بعض المصاريف الخاصة ومجموع التكاليف المرتبطة بمهامهم، حيث يقدر تعويض رئيس الحكومة بـ18 ألف درهم، وتقدر تعويضات الوزراء بـ14 ألف درهم، فيما تعويضات كتاب الدولة 10 آلاف درهم، وتعويضات نواب كتاب الدولة 9000 درهم لكل واحد علما أن عددهم هو ثلاثة.
ليس هذا فقط، بل إن لأعضاء الحكومة أيضا الحق في التعويض عن السكن بنسبة شهرية قدرها 15 ألف درهم، ويستفيدون علاوة على هذا من تعويض شهري إجمالي قدره 5000 درهم عن صوائر التأثيث والأواني والأدوات الزجاجية والفضية أو مسكن مؤثث مجهز بأوانٍ وأدوات زجاجية وفضية وتعويض شهري قدره 5000 درهم.
كما أن جيوب المواطنين تتكفل أيضا بأداء نفقات الماء والتدفئة والإنارة، ورواتب هيئة مستخدمي منزل رئيس الحكومة التي تتكون من رئيس للخدم، ورئيس للمطبخ، وطباخ مساعد، وبستاني. ونفس العدد بالنسبة للوزراء، ونفسه بالنسبة لكتاب الدولة ونواب كتاب الدولة باستثناء الطباخ المساعد.
بالإضافة إلى ثلاث سيارات للمصلحة توضع رهن إشارة رئيس الحكومة، وسيارتان رهن إشارة كل وزير من الوزراء، وسيارة واحدة لكل كتاب دولة ونائب كاتب الدولة.
ولن نبتعد كثيرا للحديث عن دول الرفاه الاجتماعي حيث الوزير كالمواطن العادي سِيَانٌ في مستوى العيش، وحيث الدولة تلبي الاحتياجات الإنسانية الأساسية لمواطنيها حتى يتعايشوا بسلام في مجتمعاتهم مع ضمان فرص التقدم، فيكفي أن نقول بأن الأرقام أعلاه والتي تقدر بالملايير سنويا الضخمة والحقيقية، والتي تهدر على رفاه رئيس الحكومة ووزرائها أيا كانوا، جزء منها كافٍ لفك الأزمة عن مواطنين أرهقتهم وجبة إفطار بسيطة في رمضان هذا العام؛ مواطنون لا يحلمون ببستاني أو مستخدمة في المنزل ولا يفكرون في سيارة رباعية الدفع لأن عَرَق الجبين لا يكفي حتى لسداد سومة الكراء وفواتير الماء والكهرباء، وكلفة الدواء عندما تذبل سنوات العمر.
وليس بعيدا عن الماديات، فإن هؤلاء المسؤولون المقدسون بمجرد ذكر أسمائهم ستجد لهم الحُظْوَة عند رجال الأمن، محبوبون من طرف رجال الإعلام، وحاجاتهم مقضية في الإدارات العمومية والمؤسسات، وأحكام قضائية ثقيلة بثقل أسمائهم وبحجم المآسي التي يعيشها المواطنون في بلاد يأكل فيها القوي الضعيف وتستحوذ اللوبيات على جل ثرواتها.
لقد أصبح واقع مواجهة الدولة بطينة هؤلاء المسؤولين، لمواطنيها الذين لا حول لهم ولا قوة في ظل غلاء مستشرٍ وفقر مدقعٍ وبطالة متفشية وانعدام للصحة وتردٍ في التعليم وتوقف لعجلة التنمية وعجز اقتصادي يلوح بتوقف مسير قطار البلد في إحدى المحطات الأكثر ظلمة في تاريخ المغرب مع حكومة رجال المال والأعمال الذين هرولوا لتوسيع دائرة القداسة خوفا من المحاسبة ودفاعا عن المصالح وجلبا لمزيد من الامتيازات، فيكفي أن ترتدي بذلة سوداء وربطة عنق لتكون مقدسا.
في بلدنا، أصبح الخوف كل الخوف من شخصيات مرموقة سامية من طينة غير طينتها، جعل لها الإعلام ما يميزها عن الباقي، فلولا هذه الشخصيات لما وُجد مُقَدِّسُون وإعلام منبطح يساهم بشكل كبير في بناء شخصيات وإضفاء طابع القدسية عليها بدل بناء الوطن؛ شخصيات يتم فرضها بقوة على مواطن ذكي يعي جيدا من يكون سارقه.
حاول الإعلام جاهدا وبكافة الأوجه تكريس قداسة بعض الأشخاص، وأصبحت الأمجاد والانتصارات تقدم في شخص واحد لا شريك له، بغض النظر عما وراء هذا المجد من منظومة متكاملة بدءًا من أصغر عنصر في الأمة إلى أكبرها.
وقد تردد كثيرا هذه الأيام اسم فوزي لقجع الذي أصبح يقدَّم كزعيم وبطل مغوار على الرغم من الحملات التي أطلقتها إلتراس عدد من الفرق الرياضية الوطنية التي تطالب بإقالته، ومسؤولين آخرين للقطع مع رؤوس الفساد.
ولم يعد خفيا أن الإعلام التابع للسلطة واللاهثون وراء المقدس لتبجيله وجعله زعيما لم يعرف ولن يعرف المغرب مثله زعيما، طبعا قاموا ككل مرة بشيطنة الحملة المطالبة بإقالته؛ فبحسبهم ليس مقبولا الحديث أو الكتابة عن شخص من هذا النوع تدور حوله كل هذه الهالة الإعلامية الكبيرة ومحمي من طرف العدالة.
عكس البلدان الديمقراطية حيث العدالة محايدة ولكل ذي حق حقه، فقد أضحت العدالة بالبلد تزكي حفنة من المسؤولين الذين تقتات بهم آلة النظام الذي تقوم عليه الدولة.
لا يتنازع اثنان في أن القضاء والعدل وُضعا لحماية الطرف الضعيف من القوي، هذا لأخير الذي لم يعد يحتاج إلى قوانين لحماية مصالحه وفق ميزان العدل، بل يفرضها بمنطق القوة وبأسلوب يشبه أسلوب الغاب.
في المغرب لم تعد العدالة سبب تعايش الفقير والثري في مجتمع واحد، ولا حقا يتمتع به الفقير والثري على حد سواء، لم تعد تفرض جوا من حقوق الإنسان، ولا أرضية جاهزة لتمتيع المواطنين بحقوقهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسة وتمكينهم من الحرية والكرامة، هاته الأخيرة التي سارا لزاما على المغرب احترامها خاصة بعدما أعلن مؤخرا عن الانضمام لنادي الدول الأوروبية عبر إعلان الترشح لتنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، بعدما وعى متأخرا بأن المستقبل كله في التوجه نحو الشمال وأنه لا مستقبل مع دول الجنوب.
أصبح لزاما على مسؤولي البلد أن يَعُوا بألا هروب من احترام الحقوق والحريات والمبادئ الكونية لحقوق الإنسان التي دخل من أجلها خيرة رجال ونساء المغرب إلى السجن، فعملية شد الحبل التي تقوم بها بعض الجهات الوصية على الدولة التي تغرق في القداسة ولا تؤمن بالرأي والرأي الآخر تكريسا للاديمقراطية وجو من الاحتقان الاجتماعي، بالاتكاء على أبواق نشاز لا تجيد سوى الضرب في الأعراض، (عملية شد الحبل) لن تسمن ولن تغني من جوع سوى حصد مزيد من التقارير الدولية التي عرت سوأة المغرب كما عرت الأجهزة الأمنية سوآت صحفيين ومعتقلين آمنوا بوطن يؤم الجميع ولا يفرق بينهم، بعيدا عن عقلية تقديس الأشخاص التي لا تنبت ولا تسْتشري سوى في جغرافيا التخلف، وما الاتكال على نوع من المسؤولين أمثال المندوب العام لإدارة السجون وغيرهم في الرد على أمريكا، إلا ضرب من الجنون.
لبنى الفلاح - الحياة اليومية

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...