لم يعُد ذلك الحلم الورديٌ الذي تملّكه منذ الصغر يراوده .. حينما لامس بمَمْسكِ أصبعيه أول شعيرات المشيب تتفتق من وسط ذقنه المحدودب، رمى المناشف كلها التي لطالما بللتها دماً و عرقا عجائز مخيمه المهتريء بقصص الماضي الفاتن بتلاوين الحياة و الآخاذ ب "جدائله" و "فشاته" و "اخرابه" و ملاحف نيلته.
وأد كل مدخرات عمره في آخر الحديث مع الجدة "أمة" .. إجتر أحداث حياته عكس عقارب الساعة و راح ينساب مع تلاوين الزمن الحلو و المر .. تتصارع في ذهنه آلاف الإستفهامات التي بقيت معلقة بدون إجابات مقنعة.
يَعدُّ السنونَ سنةٍ بعد أخرى، و كل سنةٍ من عمره تمر، تقتل في داخله حلمُ طفلٍ كان ذات يوم مشع بزهو الربيع الساحر.
قرر يوما أن يُجاري خطوات الماضي التليدِ عبر مجالس الشيوخُ ذو السبحاتِ الطويلة و اللُّحى الفخامِ البيضِ، مزدوجي "الدراريع" و ذوي العمائم السود، ليجدَ نفسهُ عاجزا كل العجزِ حتى عن تقليد أبسط طرق الابتهال و الاذان و التهجد في جوف الليلِ بكلمات "الهيلالة" التي ما أنْفكّ شيوخ مخيمهِ البسيط يوقظونَ بها الحي قبل بزوغ خيوط كل شمس فجر.
فهو الذي قدم ذات يوم بمعطفه الوحيد المتشقق و المتهالك .. محمولا على ظهر معزته "السيكية" التي تنقله في النهار و تمده بالدفء حين يسدل الليل ستائر الظلام .. حينها فقط يأوى الصبي الى ضرع شاته ليرتوي لبنا طازجا فينام بعد يوم مضني من المسير.
ما صار يتذكر من رحلته تلك، سوى المعطف و ظلام الليل و قطرات لبن الشأة .. حتى أنه لم يتذكر حينما تذكره "أمة" الهرمة خلال حكواتها السمرية؛ لذغة "لكراد" و صرير الرياح العاتية و رمد العينين و عري الارجل و إفتراش التراب و إلتحاف السماء .. و كأنما لم تمر قط على ذاكرته المتآكلة و لا لحظة مشابهة من مشهد قاص مر ذات يوم في حياة طفل باحث عن الحياة في دوامة قدر لم تتشكل لديه حينها قدرات اختياره.
ينظر خلفه فيرى الطلح شامخا بخروبه الندي يلوح بيد ترتجف خوفا و يمد يد أخرى ليشد بها في معصم زمور ذو الوجه الباسم الذي يرفض ان يغادر موطنه .. يقهقه هنيهة و تنطفء الذكرى.
يقمض عينيه بسرعة عله يدرك ما تبقى من خيال قصة العشق الأبدي بين شجيرات الطلح و موطنها زمور .. و لكن عباب سيارة الاندروفير تباغثه لتفسد عليه سحرية المشهد بعدما تلقفت وجهه المنكب على قفاه، لتوقظه من حلمه الأخير.
يتساءل في نفسه لقد رأيت من قبل مشهدا مشابها لهذه الرؤية!! أين؟ .. مرة أخرى تخونه ذاكرته التي شكلت أسسها حياة المخيم الجديد، المنظم و المحكم التراص باهازيجه و حيواته و سكانه و حركته الدؤوبة التي لا تكاد تنتهي.
عندما يعود من العمل كعادته حين كل مساء كان يرمي براسه في حجر "أمة" التي كانت كلما تحينت الفرص تحكي عليه قصص من مأساة الرحيل الاخير الذي كان هو جزءا من تفاصيله المؤلمة .. ف "أمة" ما فتأت تمده بالراحة و السكينة حينما تقص عليه تلك الروايات و المغامرات الخيالية التي ما يكاد يتذكر منها الا النزر القليل عبر رؤى مشردة .. مشتتة و خاطفة.
《يا ولدي .. لم نولد على هذه الارض الجرداء و انما قدمنا عنوة و بوِّاهة عن الحياة بعدما أخرجونا من الجنة التي كنا نعيش عليها رغد العيش》 تقولها "أمة و هي تداعب ما تبقى في ذقنه من شعيرات سود ستشيب لاحقا في المخيم.
يرفع رأسه .. ينظر الى عينيها و هي شاخصة بعيدا في الافق اللا متناهي و تتمتم بتعاويذ و صلوات صامتة ليحدث نفسه في قرارتها .. تاه البواَّه الذي ظن كل عمره أن المخيم قدره و مسكنه السرمدي.
