القائمة الرئيسية

الصفحات

بيغاسوس أم "آغفير الرفكة"!


في مطلع تسعينيات القرن الماضي، كانت هناك في إحدى القرى الإسبانية الصغيرة واحدة من جمعيات الصداقة مع الشعب الصحراوي، صغيرة لا يتجاوز عدد أعضائها عد أصابع اليد، معظمهم متقاعدون، وكان من ضمنهم جدات وربات بيوت. كان دافعهم الرئيسي من تأسيس تلك الجمعية هو تقديم الدعم الإنساني الممكن للشعب الصحراوي نظرا لقناعتهم الراسخة بعدالة قضيته الوطنية، ومشروعية كفاحه وحاجته للتأييد والمساندة.
وهكذا شملت الأنشطة التعاونية التي قامت بها الجمعية في هذا الإطار استقبال الأطفال الصحراويين وإيوائهم خلال العطل الصيفية، تنظيم حملات لجمع المساعدات المادية وارسالها في القوافل الإنسانية المتجهة الى المخيمات، عقد ندوات وتجمعات وتنظيم معارض فوتوغرافية لنشر القضية الصحراوية على مستوى المحيط في قريتهم الصغيرة.
وبما أنه من الواجبات الادارية والأخلاقية العامة أن تبادل كل من يقدم لك مساعدة أو دعم بما يستحق من عرفان وتقدير وشكر، فقد كانت ثمة رسائل تهنئة تصل دائما الى مقر الجمعية، حيث كان مكتبنا بمدريد يبعث التهانئ للجهات الصديقة خلال أعياد السنة الميلادية كل عام. وهكذا فعلى مدى سنوات طويلة كانت رسائل التهنئة والتقدير تلك، تصل الجمعيات الصديقة والمتعاونة، ومن ضمنهم هذه الجمعية، بمناسبة كل أعياد الميلاد. غير أن الجمعية الصغيرة الآنفة الذكر ظلت تستقبل -بدلا من رسالة واحدة- رسالتين اثنتين بنفس المضمون ونفس الشكل والمصدر والعنوان، أي كانت تأتيها نفس رسالة التهنئة، ولكنها مكررة! الأمر الذي تبين لاحقا بأن سببه خطأ في قوائم الجمعيات الموجودة لدى مكتبنا في مدريد، حيث يوجد اسم الجمعية بذات القائمة مرتين!. كان أحد اعضاء الجمعية قد سأل أحد أصدقائه في الجمعيات الصديقة الاسبانية الأخرى عن الموضوع، فتأكد له أن رسائل التهنئة تلك كانت تصلهم من طرف الجهة الصحراوية المعنية، متشابهة وهي ذاتها كل سنة، ولكن بشكل عادي دائما ومن غير تكرار...
لقد ظل السيدات والسادة أعضاء تلك الجمعية الصديقة لا يخفون سعادتهم وسرورهم بتلقيهم رسالة التهنئة والتقدير السنوية تلك التي تصلهم في نسختين إثنتين توأمتين، فيضعون واحدة في مكان بارز من جدار مكتب جمعيتهم، ويحتفظون بالأخرى في ذاكرة الإدارة. كانوا يعتزون دائما بشعار صديقهم جبهة بوليساريو البارز والمقروء جيدا الذي يتوسط أعلى الرسالة الملصقة كاللوحة الفخرية بالواجهة الداخلية لحائط المكتب، ويعتبرون ذلك أكبر شهادة وخير دليل على الاعتراف بسمو نشاطهم وشرف دورهم في دعم القضية الوطنية الصحراوية. وبما أنه ليس لتلك الجمعية الصغيرة علاقة مباشرة بتمثيلية البوليساريو في العاصمة الإسبانية، فقد كان ذلك الأمر يعطي قيمة معنوية أكثر للرسالة نفسها.
وبما أن الأمور تتغير والأحداث تدور، ودائما بعد أمور تحدث أمور، فقد كشفت الأيام بعض المستور! إذ قام نظام المخزن المغربي بحملة شعوذة واسعة النطاق على مستوى العالم لنشر ما يسميه "مقترحه الحكم الذاتي"، ولم تستثن تلك الحملة الشعوذية لا حجرة ولا شجرة ولا حتى مغارة في الأرض إلا ودخلت فيها وبثت السموم وأغدقت الرشاوى من كل نوع لكل من هب ودب لكي يقول لنظام المخزن في أذنه أن "الحكم الذاتي" يتمتع ب"الجدية والمصداقية"، وحتى تكون حملتهم هذه شاملة وكاسحة، لا تبقي ولا تذر، فقد جهزوا رسائل مخزنية باللغة الإسبانية وبعثوا بها لكل جمعيات الصداقة مع الشعب الصحراوي المنتشرة على مستوى الأقاليم والمدن في اسبانيا لإقناعها بفكرة مقترحهم الزائف والميت أصلا، المدعو "الحكم الذاتي"، وبطبيعة الحال لم تسلم الجمعية الصديقة المذكور سلفا من أن تأخذ هي أيضا نصيبها من تلك الرسائل المخزنية الطائشة. والى هنا لا غرابة ولا عجب في الأمر لو لم تكن المفاجأة!: الرسالة المغربية الى الجمعية جاءت أيضا من نسختين اثنتين مثلها مثل الرسائل التي ظلت تأتيها من مكتب بوليساريو....
بعد زمن طويل، أثناء مظاهرة مؤيدة للقضية الصحراوية بمدريد، تحدث البعض عن رسائل "الحكم الذاتي" تلك التي بعث بها المغرب للجمعيات، كان هناك تساؤل عن الطريقة التي تمكن بها المغرب من الحصول على لوائح الجمعيات...وحينها ألمح أحد أعضاء الجمعية الصغيرة التي كانت تأتيها الرسائل دائما مضاعفة، الى أنه يعلم مصدر حصول المغرب على قوائم الجمعيات.... أما نحن الذين لا نعلم شيئا عن ذلك الأمر، فما لنا سوى أن ندعو الله: ألله إفكنا من "بيغاسوس" و إيفك الرفكة من آغفيرها".
القصة واقعية وليس وليدة الخيال.
حدمين مولود سعيد.
23 ماي 2022.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...