بقلم: بابوزيد محمد سعيد
- في جينالوجيا القطيعة و رفض "الحياد الفلسفي"
إن الاشتغال النقدي على المسألة التحررية في الصحراء الغربية لا يرتكن إلى مجرد التوصيف الجيوسياسي العابر، بل يستدعي بعمق جينالوجي مقولة "كارل ماركس" الشهيرة حول ضرورة تغيير العالم لا تفسيره فحسب.
فالفلسفة التي تكتفي بمراقبة آلام الشعوب من علوّ برجها العاجي، إنما تتحول إلى أداة من أدوات التطبيع مع الجور، وإلى قوة معاونة للاحتلال في مشروعه الإبادي الذي يقوم على القهر و النهب.
وفي هذا السياق، فإن النأي بالنفس أو اتخاذ موقع "الحياد" المزعوم إزاء قضية الشعب الصحراوي وجبهة البوليساريو لا يمثل سوى خيانة معرفية وأخلاقية صارخة؛ إذ ينسجم بنيوياً مع آليات الهيمنة الاستعمارية التي يشكل الصمت شرعنة لتزكية نهبها.
فالصراع هناك ليس نزاعاً مفتعلاً على تخوم جغرافية محايدة، بل هو بؤرة مركزية من بؤرات الصراع الطبقي والعالمي المحتدم، تتكشف فيها عريضة الإمبريالية المعاصرة بكل حمولاتها التوحشية، حيث تُستباح الثروات الباطنية والبحرية للشعب الصحراوي لتغذية شرايين الرأسمالية الاحتكارية العابرة للحدود.
- الماركسية-اللينينية وتفكيك الإمبريالية المعاصرة في الصحراء الغربية
إذا كانت أطروحات "فلاديمير لينين" في سفره الخالد "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" قد أسست لفهم آليات تمركز رأس المال المالي وتقسيم العالم بين الاحتكارات الكبرى، فإن الواقع المعاش في الصحراء الغربية يقدم لنا النموذج الأبرز لتلك التحليلات في ثوبها المعاصر. لم تعد الإمبريالية مجرد احتلال عسكري تقليدي، بل تحولت إلى شبكة معقدة من التحالفات النفعية العابرة للقارات، حيث تتكامل أدوات القوة الصلبة والناعمة في مشروع واحد للهيمنة الشاملة.
إن قراءة لينين للصراع الإمبريالي تكشف أن الصراع على الصحراء الغربية ليس صراعاً على كثبان من الرمال، بل هو صراع على:
· الفوسفات الذي يغذي الزراعة العالمية، وتتحكم به شركات غربية كبرى عبر شركات مشبوهة مع OCP PHOS /phosboucraa التي تنهب بلا هوادة منذ نصف قرن خيرات الشعب الصحراوي .
· الثروة السمكية الهائلة التي تُنهب في مياه سواحل الصحراء الغربية المطلة على الأطلسي بطول أكثر من 1000 كلم تحت غطاء اتفاقيات مع المغرب.
· الطاقات المتجددة وإمكانيات الطاقة الشمسية الهائلة التي تجعل من الصحراء الغربية كنزاً استراتيجياً للمستقبل.
· الممرات البحرية الاستراتيجية التي تشرف عليها الصحراء الغربية على المحيط الأطلسي.
. الاستكشافات النفطية والبترولية في مناطق مختلفة من بينها منطقة بوجدور التي لم تخفي برجوازية الكيان الصهيوني "ياريف الباز" عبر مجموعته Adarco Energy" التي تعمل مع شركات اخرى للكيان مثل (NewMed Energy) و(Ratio Petroleum بالتعاون مع الأوليغرشية المغربية كمستشار الملك "علي الهمة" وشركائه وبعض أفراد الاجهزة القمعية الذين لا يخفون تهافتهم نحو نهب مقدرات الشعب الصحراوي.
. نهب الثروة الفلاحية واستحواذ ملك المغرب على المناطق الزراعية بمدينة الداخلة المحتلة جنوب الصحراء الغربية عبر الهولدينغ الملكي (المملوك عبر شركة الاستثمار الشخصية "سجير SIGER") في المغرب وفي مدينة الداخلة المحتلة تحديداً تحت لواء مجموعة "لي دومين أغريكول - Les Domaines Agricoles" (والتي كانت تُعرف سابقاً باسم "الضيعات الملكية - Les Domaines Royaux").
تتوزع الأنشطة الفلاحية التابعة للمجموعة في منطقة الداخلة (وادي الذهب) عبر فروع وضيعات متخصصة، وأبرزها:ضيعة تاورطة (Domaine Taourta): من أشهر الضيعات التابعة للمجموعة بضواحي الداخلة المحتلة، وتتخصص في إنتاج الخضروات المبكرة (البواكر) مثل الطماطم الكرزية (Tomates Cerises) والملفوف تحت البيوت المغطاة المجهزة بتقنيات ري حديثة.
شركة التلفيف والتصدير: فرع لوجستي تابع للمجموعة في المنطقة يشرف على فرز، تعبئة، وتلفيف المنتجات الفلاحية المستخرجة من ضيعات الداخلة المحتلة لتوجيهها مباشرة نحو التصدير إلى الأسواق الدولية (خاصة الاتحاد الأوروبي) تحت العلامة التجارية الشهيرة للمجموعة.من الجدير بالذكر أن الهولدينغ الملكي يمتلك أيضاً مجموعة "المدى - Al Mada" (الشركة الوطنية للاستثمار سابقاً)، والتي تركز في منطقة الداخلة على قطاعات أخرى واعدة مثل الطاقة المتجددة عبر شركة "ناريفا - Nareva" (المسؤولة عن محطة طاقة الرياح بالداخلة المحتلة التي تغذي مشروع محطة تحلية مياه البحر المخصصة لسقي 5200 هكتار من الأراضي الفلاحية بالمنطقة).
. الموقع الإستراتيجي للصحراء الغربية، اذ يشكل موقعها الجغرافي واحدا من اهم المواقع التي تسيل لعاب الغزات الطاميع المتهافتين.
. الهيمنة الاستخباراتية والتقنية: توظف الإمبريالية أحدث التقنيات الأمنية لضبط المجال الحيوي الصحراوي وقمع التطلعات التحررية، من طائرات بدون طيار إلى أنظمة مراقبة متطورة، ومن خلايا استخباراتية إلى شبكات تجسس إلكتروني، كل ذلك بتنسيق مباشر بين المخابرات المغربية ونظيراتها الصهيونية والغربية، وفي مقدمتها الـ"سي آي إيه" و"الموساد" التي باتت حاضرة بقوة في المنطقة.
الوكالة الجيوسياسية: اتخذت الإمبريالية من النظام المغربي رأس حربة ومخلب قط لتنفيذ الأجندات الرأسمالية المتوحشة. فالمغرب، الذي يُسوَّق له كدولة "معتدلة" و"حليف استراتيجي"، يتحول في الواقع إلى أداة طيعة بيد الأباطرة الجدد، يمارس نيابة عنهم أبشع أشكال القمع والنهب، مقابل حصوله على الغطاء السياسي والدعم العسكري والمالي.
إسقاط الشرعية الدولية: التواطؤ الممنهج لتعطيل قرارات تقرير المصير يثبت عقم المؤسسات الدولية حين تتقاطع مع مصالح الكارتلات الإمبريالية. فمجلس الأمن، الذي يفترض أن يكون حامياً للقانون الدولي، يتحول إلى ساحة لصفقات المداورة السياسية، حيث تُعرقل كل قرارات الاستفتاء، وتُمدد القرارات بشكل انتقائي لمصلحة الاحتلال.
غير أن جدلية التاريخ تؤكد، وفق المنظور اللينيني، أن التناقضات الإمبريالية تحمل في أحشائها بذور تفككها؛ فصمود جبهة البوليساريو المستمر منذ عقود يعطل منطق القوة المطلقة، ويثبت أن الإرادة الشعبية أصلب عوداً من ترسانات الهيمنة. وكما كتب لينين: "إن الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية، لكنها أيضاً مرحلة احتضارها"، فكلما اشتد عربدة الإمبرياليين، كان أفولهم أقرب.
- هندسة الوعي وإنتاج الذات الثورية – من غرامشي إلى فانون
استلهمت جبهة البوليساريو في بنيتها النضالية إرث الحركات التحررية الكبرى، لا سيما المقاومة الفلسطينية والثورة الجزائرية، مدركةً أن المعركة الأبديّة تُخاض ابتداءً في حقل الوعي قبل أن تُخاض في ميدان السلاح. وهنا يبرز مفهوم "الهيمنة الثقافية" عند أنطونيو غرامشي، حيث واجهت البوليساريو محاولات الإبادة الرمزية والهوياتية عبر بناء منظومة مقاومة متكاملة.
مؤسسات التنشئة الثورية:
في قلب مخيمات اللجوء، حيث يتوقع العدو أن يجد اليأس والانهيار، بنت البوليساريو مدارس وجامعات ومستشفيات ومسارح ومكتبات. لقد حولت اللجوء من حالة انتظار سلبي إلى قاعدة متقدمة لإنتاج المعرفة الثورية. كل طفل يولد في المخيمات يُربى على أن الوطن سيتحرر، وكل شاب يتعلم أن الكرامة لا تُورث بل تُنتزع، وكل امرأة تدرك أن نضالها جزء لا يتجزأ من نضال شعبها.
تفكيك المقولات الاستعمارية:
أسقطت البوليساريو أسطورة "الأرض المباحة" التي يعيد العقل الاستعماري-الجديد إنتاجها لتبرير الغزو والضم والنهب. هذه الأسطورة، التي تعود جذورها إلى الفكر الاستعماري الأوروبي الذي نظر إلى إفريقيا كـ"فراغ" يحتاج إلى ملء، أعادت الإمبريالية المعاصرة إنتاجها في الصحراء الغربية، متجاهلة أن هذه الأرض لها تاريخ وهويات وشعب.
التحصين الجماهيري:
جعلت البوليساريو الشعب الصحراوي هو الفاعل التاريخي والمشرّع الأساسي للشرعية الثورية، إيماناً بأن التحرر لا يمنح بل ينتزع. فالقواعد الجماهيرية ليست مجرد جمهور يهتف، بل هي جيش من المثقفين العضويين، كما وصفهم غرامشي، كل واحد منهم يحمل وعي قضيته، ويدافع عنها بالكلمة والفعل والصبر .
فرانز فانون، فيلسوف العنف التحرري، علمّنا أن المستعمر لا يكتفي باحتلال الأرض، بل يسعى إلى احتلال الوعي، إلى زرع عقدة الدونية في نفوس الشعوب المستعمَرة. وما تفعله البوليساريو هو عملية تطهير مستمرة لهذا الوعي من سموم الاستلاب، عبر إعادة كتابة التاريخ، وإعادة تعريف الهوية، وإعادة إنتاج الذات في مواجهة آلة الطمس.
- إبستمولوجيا المقاومة ونقد العقل الإمبراطوري المتهاوي
في قراءة فاحصة لخطاب السلطة والمعرفة على ضوء مقاربات ميشيل فوكو وإدوارد سعيد، نجد أن جبهة البوليساريو تخوض حرب تفكيك شاملة للخطاب الاستعماري الذي يحاول اختلاق "الآخر" المستلب وتدجين وعيه. إن الإدارة الأمريكية المتعاقبة، ولا سيما في محطات المقايضة الفجة والقرصنة السياسية –كدعم صفقات التطبيع المشبوهة والاعتراف بالسيادة المزعومة للمغرب على الصحراء الغربية، والتهديد باستخدام الفيتو ضد أي قرار لصالح الشعب الصحراوي– تعكس أزمة العقل الإمبراطوري المأزوم الذي يعاني من عجز أخلاقي ووجودي بنيوي.
فوكو والسلطة والمعرفة:
كشف فوكو عن الترابط العضوي بين السلطة والمعرفة، وكيف أن الخطابات السائدة تنتج "حقائق" تخدم مصالح الهيمنة. الخطاب الإمبريالي حول الصحراء الغربية ينتج "حقائق" وهمية: أن الصحراء كانت "مغربية" منذ الأزل، وأن البوليساريو "مجرد حركة انفصالية" مأجورة، وأن الاستفتاء "غير مجدٍ".. كل هذه "حقائق" ينتجها العقل الإمبريالي لتبرير النهب، وتفكيكها هو جوهر الإبستمولوجيا الثورية للبوليساريو.
سعيد والاستشراق الجديد:
أظهر إدوارد سعيد كيف أن الغرب ينتج معرفة عن "الشرق" (والجنوب) تخضعها لإرادته الاستعمارية. اليوم، نرى استشراقاً جديداً يتعامل مع الصحراويين كـ"قبائل بدوية" لا تستحق دولة، كـ"شعب غير مؤهل" لتقرير مصيره، وكـ"ورقة تفاوضية" في لعبة القوى الكبرى. البوليساريو تفضح هذا الاستشراق بوجودها الحي، بمؤسساتها، بفكرها، بإنسانيتها.
تدرك البوليساريو بدقة واعية أن الإمبراطوريات التي تتغذى على النهب والعبث بمصائر الشعوب هي إمبراطوريات هشة بطبيعتها. إنها كعمالقة الأساطير، تبدو ضخمة لكنها تتهاوى بأدنى ضربة. ومن هنا فإن استراتيجيتها لا تقيس ميزان القوى بالمقاييس المادية المحضة وحدها، بل تراهن على الزمن التاريخي وفلسفة الصمود، تماماً كما علمتنا تجارب الجزائر وفيتنام وكوبا....
- فلسطين والصحراء الغربية – قوس النضال الواحد
لا يمكن فصل نضال شعب الصحراء الغربية عن السياق الأوسع لمقاومة الشعوب المستضعفة، وعلى رأسها المقاومة الفلسطينية. إن ما يجمع الصحراويين والفلسطينيين هو جوهري وليس عرضياً:
· كلاهما يواجه احتلالاً استيطانياً يسعى إلى تهجير السكان الأصليين وطمس هويتهم.
· كلاهما يتعامل مع إمبريالية مزدوجة الوجه، تتحدث عن حقوق الإنسان وتنتهكها في ذات الآن.
· كلاهما يشهد تواطؤاً عربياً وإسلامياً مع الاحتلال، حيث تبيع الأنظمة العربية القضايا العادلة في صفقات مشبوهة.
· كلاهما يعتمد على الصبر الاستراتيجي وإنتاج الوعي كسلاح رئيسي في مواجهة غير المتكافئة.
المقاومة الفلسطينية علمتنا أن القدس ليست مجرد مدينة، بل هي فكرة، وأن التمسك بالحق الفلسطيني مهما طال الزمن هو انتصار في حد ذاته. البوليساريو تعلّم العالم اليوم أن الصحراء الغربية ليست مجرد أرض، بل هي الكرامة، وأن كل يوم يمر على الاحتلال هو يوم إضافي في سجل العار الإنساني .
- نقد القوى الثورية العربية:
من النضال إلى التواطؤ (جدلية النظرية والممارسة)
غير أن استعراض "قوس النضال الواحد" يقودنا بالضرورة إلى تفكيك الموقف المريب للقوى التي توصف بـ"التقدمية" و"التحررية" في السياق العربي من هذه المعادلة التحررية. فالمعاينة الفعلية لمواقف هذه القوى تجاه القضية الصحراوية تكشف عن أزمة ابستمولوجية عميقة، حيث انقلبت جدلية النظرية والممارسة رأساً على عقب. كيف يمكن لقوى تدّعي التمسك بمناهضة الإمبريالية أن تجد نفسها في الموقف نفسه الذي تتخذه الأنظمة الرجعية، أو الأسوأ، أن تتحول إلى أداة طيعة في صمت تواطئي يخدم أجندة الاحتلال؟
إن الفجوة الصارخة بين الخطاب النظري التحرري لهذه القوى ومواقفها العملية ليست مجرد تراجع عابر، بل تعكس تحولاً بنيوياً حيث استبدلت النضال من أجل التحرر الكوني بمقاربات "براغماتية" و"واقعية" تدفعها إلى التماهي مع منطق القوى الكبرى اي التناقض الرئيسي في الصراع. هنا تتجلى أزمة الماركسية-اللينينية في السياق العربي، حيث يتحول شعار "تحليل الواقع الملموس" إلى تبرير للتخلي عن المبادئ، وكأن الانحياز لفئة سياسية أو حزب أصبح أولى من الانحياز لشعب بأكمله يكافح من أجل وجوده. وهذا يذكرنا بتحذيرات غرامشي من تحول المثقف العضوي إلى "موظف" يخدم الدولة القائمة، بعد أن كان "ناقداً" يخدم التغيير.
إن موقف هذه القوى تجاوز حدود "الحياد السلبي" الذي سبق لنا نقده، وتطور إلى تواطؤ فعلي يتجلى في:
· الصمت الاستراتيجي: الامتناع المنهجي عن إدانة الاحتلال المغربي وانتهاكاته للحقوق الشعب الصحراوي، مما يمنحه شرعية ضمنية ويوفر له الغطاء السياسي لمواصلة القمع و النهب، وكأن "العدالة" أصبحت محدودة بالجغرافيا القطرية.
· التطبيع مع الأنظمة الرجعية: انخراط هذه القوى، التي كانت تتصدر صفوف المعارضة، في تحالفات مع أنظمة عربية تعتبر نفسها في مواجهة "الإسلام السياسي" أو في سباق للانضواء تحت عباءة التطبيع مع الكيان الصهيوني. وهذا الانحياز، الذي يخدم الأجندة الغربية-الصهيونية في المنطقة، وضعها في الخندق نفسه مع القوى التي تُمول وتسلح المغرب لقمع الشعب الصحراوي، متناسية أن معركة التحرر من الداخل ترتبط عضوياً بمعركة التحرر من الاحتلال الإمبريالي برمته.
· تكريس القطرية وتفكيك الأممية: إن غياب موقف اممي موحّد من قضية الصحراء الغربية يعكس تغوّل النزعة القطرية على حساب المصير المشترك. لقد تحولت الأولويات الحزبية والإقليمية الضيقة إلى معيار للفعل السياسي، متجاهلة أن نضال الصحراويين هو جزء لا يتجزأ من النضال الاممي ضد التجزئة والتبعية، وكأن النضال من أجل "الديمقراطية الداخلية" يمكن أن ينفصل عن مقاومة المشروع الاستعماري الجديد.
يعكس هذا الموقف تراجعاً خطيراً في دور النخب الثورية العربية التي كانت، في سياقات تاريخية سابقة، مثل الثورة الجزائرية، تمثل عمقاً استراتيجياً لحركات التحرر. إن تحول هذه القوى إلى حليف للقوى الرجعية والإمبريالية ليس مجرد خيانة سياسية، بل هو أزمة هوية وفكر، حيث استبدلت مشروعها التحرري بخطاب "الإصلاح" الداخلي الأجوف. إن التحدي الذي تفرضه قضية الصحراء الغربية على هذه القوى هو اختبار حقيقي لمصداقيتها؛ فالنضال من أجل "العدالة الاجتماعية" يصبح خطاباً بلا مضمون ما لم يرتبط عضوياً بنضال الشعوب ضد الاحتلال والنهب. واستمرار هذا التخاذل سيعني، في التحليل النهائي، أن هذه القوى قد استسلمت لمنطق العالم الجديد الذي ترسمه الإمبريالية، وأصبحت جزءاً من آليات إعادة إنتاج الهيمنة، بدلاً من أن تكون جزءاً من مقاومتها. وهذا يؤكد مقولة فانون الأثيرة: إن أخطر أسلحة الاستعمار هو قدرته على استلاب أبناء الأمة نفسها، وجعلهم أدوات في خدمته.
- من ثورة الجزائر إلى مقاومة الشعب الصحراوي – استمرارية المشروع التحرري المغاربي
عندما اندلعت الثورة الجزائرية في 1954، كانت الشعوب العربية والإفريقية تترقب. وكانت الصحراء الغربية جزءاً من السياق المغاربي المناهض للاستعمار. لكن المفارقة التاريخية المأساوية أن المغرب، بعد أن نال استقلاله، تحول من دولة مقاومة للاستعمار وهنا اقصد القوى الحية إلى دولة تمارس الاستعمار على جارتها الصحراء الغربية. هذا التحول الأخلاقي والسياسي هو واحدة من أعمق خيانات العصر الحديث.
من الثورة الجزائرية استلهمت البوليساريو: وحدة الهدف وتعدد الوسائل: استخدمت الجزائر كل أدوات النضال: السياسي، الدبلوماسي، العسكري، الإعلامي. البوليساريو تفعل الشيء نفسه، مع وعيها بأن الوسائل قد تختلف لكن الهدف واحدالتحرر الكامل.
· أهمية العمق الإفريقي والعربي: دعمت الجزائر المستقلة حركات التحرر في العالم، وكانت ملجأ للثوار. واليوم، تجد البوليساريو هذا العمق في إفريقيا، رغم الضغوط السياسية، وفي أمريكا اللاتينية، رغم النفوذ الأمريكي، وفي آسيا، رغم التحديات.
· العدو ليس جيشاً فقط، بل فكرة: حاربت الجزائر الاستعمار الفرنسي وفكره الاستعماري. اليوم تحارب البوليساريو الاحتلال المغربي وفكر "المغرب الكبير" الذي يهدف إلى مسخ الهوية الصحراوية وطمسها.
لطفي بن جدو، مناضل الثورة الجزائرية، كتب أن "الثورة لا تقاس بعدد الشهداء، بل بمدى قدرتها على تجاوز نفسها". البوليساريو تجاوزت نفسها مراراً، وتطورت من حركة تحرير وطني مسلحة إلى بناء دولة في المنفى، إلى مشروع حضاري متكامل.
- الإعلام المقاوم – فلسفة الكلمة في مواجهة الرصاص
استلهمت البوليساريو من التجربة الفلسطينية والجزائرية في الإعلام المقاوم، مدركة أن المعركة الإعلامية هي امتداد للمعركة العسكرية، بل قد تكون أكثر أهمية في عصر الصورة والمعلومة.
الإعلام كسلاح وجودي:
المقاومة الفلسطينية أبدعت في استخدام الإعلام لفضح جرائم الاحتلال، وكسر الصمت الدولي. البوليساريو تطور هذا النهج عبر الإذاعات (كتلفزيون الوطني والإذاعة الوطنية وجريدة الصحراء الحرة)، والمواقع الإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي، لتقول للعالم: "نحن هنا، نتنفس، نقاوم، نصرّ على حقنا في الحرية والاستقلال الوطني".
توثيق الجرائم:
كما وثقت الثورة الجزائرية جرائم الاستعمار الفرنسي، وكما توثق فلسطين جرائم الاحتلال الصهيوني، توثق البوليساريو جرائم الاحتلال المغربي: القصف الجوي للمدنيين، التهجير القسري، التجويع، الانتهاكات الحقوقية في مدن الصحراء الغربية المحتلة، الاعتقالات التعسفية، التعذيب...
كسر العزلة:
الإعلام المقاوم يكسر عزلة الشعوب المحاصرة، ويخلق تضامناً عالمياً. البوليساريو تستخدم هذا السلاح بكفاءة، رغم محدودية الإمكانيات، لأن الرسالة العادلة تجد طريقها دائماً إلى قلوب الأحرار.
- نقد الحياد الدولي – الأمم المتحدة بين النص والروح
لينين كان ساخراً من مؤسسات "العدالة الدولية" التي تديرها الإمبريالية. والأمم المتحدة اليوم، في تعاملها مع قضية الصحراء الغربية، تقدم نموذجاً للحياد الزائف الذي يضر بالشعوب المستضعفة. القرارات الصادرة عن مجلس الأمن، رغم أنها تدعو إلى الاستفتاء، تظل حبراً على ورق، لأن المغرب يديرها بمساعدة حلفائه.
لكن البوليساريو، كما علمنا التاريخ، لا تنتظر العدالة، بل تصنعها. إنها تستثمر في تعزيز وجودها الدبلوماسي، وتوسيع دائرة الاعتراف بها، وتعزيز علاقاتها مع دول الجنوب، وإفشال مخططات الضم.
- البوليساريو في مواجهة القرصان الجديد – ترامب وأمريكا كإمبراطورية زائلة
ما يفعله ترامب ومنظومته، وما فعله بايدن من قبله، ليس جديداً، بل هو تكرار لنموذج الإمبريالية المتوحشة التي ظنّت أنها تستطيع فرض إرادتها على العالم. لكن التاريخ علمنا أن كل الإمبراطوريات تزول، وأن الشعوب تبقى. الإمبراطورية الرومانية سقطت، والبريطانية تفككت، والسوفياتية انهارت، والأمريكية في طريقها إلى الأفول، لأن من يعبث بمصائر الشعوب لا يمكن أن يبقى حسب قانون التاريخ.
ترامب، في عربدته، لم يقدم جديداً سوى فضح القناع عن وجه الإمبريالية الأمريكية الذي ظل مختبئاً وراء شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان. البوليساريو تدرك أن هذه اللحظة من العربدة الغربية هي لحظة أزمة، وليست لحظة قوة. إنها لحظة سقوط الأقنعة، حيث يظهر الوجه القبيح للإمبريالية، مما يفتح أعين الشعوب على حقيقة النظام العالمي، ويدفعها إلى التمرد.
- بيان الحتمية التاريخية والوجود الصحراوي
إن جبهة البوليساريو تتجاوز في جوهرها الكينوني إطارها التنظيمي لتغدو فلسفة وجودية في مواجهة العدو، ورايةً متقدمةً للدفاع عن كرامة الإنسان في وجه توحش رأس المال العالمي. إنها البرهان الساطع على أن الجغرافيا قد تُقهر مؤقتاً بالحديد والنار، لكن الإرادة الإنسانية الحرة تظل أبدية، قادرة على نحت مسارات الخلاص وصنع المستقبل من رمال الصحراء القاحلة.
"إن الصحراء الغربية، بسيميائية صمودها، لن تبقى رهينة لعتمة القراصنة، بل ستطلع حتماً كفجر مشرق للحرية والعدالة المطلقة."
- إلى الشعب الصحراوي
إلى كل صحراوي في المخيمات، إلى كل صحراوي في الأراضي المحتلة، إلى كل صحراوي في المنافي والشتات: أنتم فلسفة الحياة التي تنتصر على الموت، وأنتم الإرادة التي تكسر الحديد، وأنتم الدليل على أن الإنسان عندما يتمسك بحقه، يصبح أقوى من كل جيوش العالم.
المجد للشهداء الذين رووا تراب الوطن بدمائهم الزكية.
النصر للمشتبكين الذين ما زالوا يرفعون شعلة النضال المتقد.
اما النصر او النصر و لا شيء غير النصر.
