يختار عبد القادر إبراهيمة أن يكتب عن "انفجار الطنجرة من الداخل" في إشارة إلى جبهة البوليساريو، فإنه يقدم قراءة انتقائية للواقع، تنقل بوصلة النقاش بعيدًا عن الأسئلة التي تفرض نفسها داخل المغرب نفسه. فالأزمات لا تُحل بتغيير اتجاه النظر، ولا تُخفى بكتابة مقالات عن أزمات الآخرين.
كان الأولى قبل الحديث عن "طنجرة" يُراد لها أن تنفجر في مكان آخر، أن يُنظر إلى القدر الذي يغلي في الداخل المغربي منذ سنوات؛ واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي يزداد تعقيدًا، مع اتساع دائرة الاحتقان المرتبط بالبطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتفاقم الإحساس بالتهميش لدى فئات واسعة من المجتمع، إلى جانب استمرار النقاش حول الفوارق الاجتماعية وأزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات.
لكن المفارقة أن بعض الخطابات تختار دائمًا البحث عن الشقوق في جدران الآخرين، بدل مواجهة التصدعات التي تظهر في جدرانها. وكأن المطلوب من القارئ أن يغض الطرف عن الحريق الذي يلتهم بيته، وينشغل بتخيل دخانٍ يتصاعد من منزل جاره.
ولعل أكثر الصور تعبيرًا عن عمق الأزمة الاجتماعية هي ظاهرة الهجرة غير النظامية التي أصبحت مشهدًا متكررًا، خصوصًا عند محاولات الوصول إلى سبتة ومليلية. فالمآسي الإنسانية التي رافقت هذه المحاولات، وسقوط الضحايا، والمشاهد الصادمة التي تناقلتها شاشات التلفزيونات ووسائل الإعلام، وما أثارته من استياء وتنديد واسع، لم تعد أحداثًا عابرة يمكن تجاوزها بالصمت أو بتحويل الأنظار نحو ملفات أخرى.
إنها أسئلة مفتوحة حول الأسباب التي تدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم، ومواجهة البحر والمجهول بحثًا عن فرصة للعيش بكرامة. فأي "انفجار" أكثر وضوحًا من أن يتحول البحر إلى طريق للهروب، وأن تصبح الحدود فضاءً تتكرر فيه مشاهد الألم واليأس؟
إن تحويل كل نقاش أو اختلاف داخل البوليساريو إلى دليل على انهيار وشيك، ليس تحليلًا سياسيًا بقدر ما هو تكرار لرواية جاهزة استُهلكت عبر عقود. فكل كيان سياسي يعرف نقاشات داخلية وتباينات في الرؤى، ولا يمكن اختزال ذلك في سيناريوهات الانفجار التي تتكرر دون أن تجد لها سندًا في الواقع.
المشكلة ليست في وجود أزمات أو نقاشات داخل أي مجتمع أو حركة سياسية، وإنما في محاولة استخدام أزمات الآخرين كستار لحجب أزمات الداخل. فالقارئ لا يحتاج إلى من يوجه نظره نحو دخان بعيد، بينما يرى أمامه أسئلة حقيقية تنتظر الإجابة.
إن الأوطان لا تُقاس بقدرتها على إنتاج الروايات عن الآخرين، بل بقدرتها على مواجهة مشاكلها بشجاعة ومسؤولية. فالأزمات لا تُصدَّر بالمقالات، والوقائع لا تُمحى بالعناوين، والواقع الاجتماعي والسياسي لا يتغير بمجرد نقل النقاش إلى جهة أخرى.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس: أين ستنفجر الطنجرة؟ بل: لماذا تستمر بعض الطناجر في الغليان رغم كل محاولات إخفاء البخار؟
فالحقائق لا تحجبها الأقلام، والواقع يبقى دائمًا أقوى من كل محاولات صرف الأنظار عنه.
سلامة مولود اباعلي.
