القائمة الرئيسية

الصفحات

ليست أمريكا من يهب الأوطان... والصحراء الغربية لا تُحكم ببرقية

  


من جديد، يخرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليجدد اعترافه بما يسميه "سيادة المغرب" على الصحراء الغربية، وكأن مصائر الشعوب تُرسم في رسائل التهنئة، أو كأن حق تقرير المصير أصبح امتيازًا تمنحه واشنطن لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء.
لكن الحقيقة أبسط وأقوى من كل البيانات السياسية، لا أحد يملك أن يمنح المغرب سيادة على أرض ليست له، ولا أحد يملك أن ينتزع من الشعب الصحراوي حقًا لم يمنحه له ترامب ولا أي رئيس آخر، وإنما أقره القانون الدولي قبل عقود.
إن الولايات المتحدة دولة ذات ثقل سياسي، لكنها ليست مالكة للعالم، ولا وصية على الأمم، ولا جهة تمنح الشرعية للاحتلالات. فالسيادة لا تُمنح بقرار رئاسي، والحقوق الوطنية لا تُباع في أسواق المصالح، وتاريخ الشعوب لم يُكتب يومًا بالحبر الذي توقع به الإدارات الأمريكية قراراتها، بل بدماء الذين دافعوا عن أوطانهم.

لو كانت الاعترافات الأجنبية تكفي لصناعة السيادة، لما انهارت إمبراطوريات استعمارية اعترفت بها قوى العالم في زمانها، ولما استقلت عشرات الشعوب التي كانت تُوصف يومًا بأنها جزء "أبدي" من دول الاحتلال.

إن الصحراء الغربية ليست محافظة مغربية تنتظر من واشنطن تثبيت وضعها، بل هي إقليم مدرج لدى الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وما تزال قضية تصفية استعمار لم تُستكمل بعد. ولم يصدر عن الأمم المتحدة، ولا عن مجلس الأمن، ولا عن محكمة العدل الدولية أي قرار يعترف بسيادة المغرب على الإقليم.

الأخطر في خطاب ترامب أنه يحاول اختزال قضية شعب بأكمله في مشروع سياسي واحد، حين يعتبر الحكم الذاتي "الأساس الوحيد" للحل. لكن منذ متى أصبحت نتيجة تقرير المصير تُفرض قبل أن يُسأل أصحاب الحق؟ إن جوهر تقرير المصير هو أن يختار الشعب بنفسه، لا أن تختار القوى الكبرى نيابة عنه.

قد تتغير الإدارات في واشنطن، وتتبدل المصالح والتحالفات، لكن الشعوب لا تفقد حقوقها لأن دولة عظمى قررت أن تنظر إليها بمنظار المصالح. فالشرعية الدولية ليست شركة مساهمة يملك البيت الأبيض أغلبية أسهمها، وليست وثيقة يوقعها رئيس أمريكي فتتحول إلى قانون ملزم للعالم.

إن الشعب الصحراوي لم يبدأ نضاله بعد تصريح ترامب، ولن ينهيه بسبب رسالة بعث بها إلى ملك المغرب. فالقضية الصحراوية أقدم من الإدارات الأمريكية جميعًا، وأعمق من الحسابات الانتخابية، وأرسخ من التحالفات الظرفية.

إن الذين يعتقدون أن الاعترافات السياسية تنهي النزاعات يتجاهلون درس التاريخ: فكم من احتلال حظي بدعم أقوى الدول، ثم انتهى إلى مزبلة التاريخ عندما انتصرت إرادة الشعوب. لقد أثبت الزمن أن القوة تستطيع تأخير العدالة، لكنها لا تستطيع إلغاءها.

ولذلك، فإن الرسالة التي ينبغي أن تُفهم جيدًا هي أن الشعب الصحراوي ليس موضوعًا للتفاوض بين العواصم، بل هو صاحب السيادة الأصيل على أرضه، وهو وحده من يملك الحق في تحديد مستقبلها، عبر ممارسة حرة وحقيقية لحق تقرير المصير وفق الشرعية الدولية.

أما الذين يوزعون الاعترافات وكأنهم يوزعون صكوك الملكية، فنقول لهم: اعترفوا للمغرب بنيويورك أو شيكاغو إن شئتم، أما الصحراء الغربية فلها شعب اسمه الشعب الصحراوي، وهو وحده صاحب القرار في أرضه، وهو وحده من يملك أن يحدد مستقبلها، ولن تُلغى إرادته ببرقية، ولن يُمحى تاريخه بتصريح، ولن تتحول الحقيقة القانونية إلى نقيضها لأن قوة عظمى قررت ذلك.
فالأوطان لا تُهدى، والسيادة لا تُستورد، والحرية لا يمنحها الأقوياء... بل ينتزعها أصحابها، ويكرسها القانون، ويحفظها التاريخ.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...