القائمة الرئيسية

الصفحات

المغرب... الجار المقلق لمحيطه الاقليمي.

  

ليست المصادفة هي التي جعلت المغرب يجد نفسه، منذ أكثر من ستة عقود، في قلب معظم أزمات غرب شمال إفريقيا وجنوب أوروبا. فحين تصبح الخصومات قاعدة ثابتة، والنزاعات سمة ملازمة، والتوتر مع الجيران حالة مزمنة، فإن المشكلة لا تكون في الجغرافيا، ولا في الجوار، بل في العقيدة السياسية التي تحكم سلوك الدولة.
لقد نجح النظام المغربي في أن يحول نفسه إلى مصدر دائم للقلق الإقليمي، حتى بات من الصعب العثور على دولة مجاورة لم تدخل معه في نزاع، أو لم تتعرض لضغوطه، أو لم تعش تحت هاجس أطماعه أو ابتزازه السياسي. فمنذ استقلاله، لم يكد يطوي أزمة حتى يفتح أخرى، ولم ينجح في بناء علاقة مستقرة مع محيطه بقدر ما نجح في ترسيخ صورة دولة تعيش على إيقاع الصدامات والأزمات.
كانت البداية مع الجزائر. فما إن نالت استقلالها سنة 1962، حتى اختار المغرب لغة القوة بدل منطق الأخوة وحسن الجوار، لتندلع حرب الرمال سنة 1963، في أول محاولة لفرض واقع حدودي بالقوة. ومنذ ذلك التاريخ، لم تعرف العلاقات بين البلدين استقرارًا حقيقيًا، بل ظلت رهينة سياسة التصعيد، وتغذية الشكوك، وإدامة التوتر، حتى أصبح واحدًا من أطول الخلافات السياسية في المنطقة.
ثم جاءت الصحراء الغربية، حيث اختار المغرب سنة 1975 غزو الإقليم وضمه بالقوة، في تحدٍ لإرادة شعب يطالب بتقرير مصيره، وللمسار الأممي الذي ظل يبحث عن تسوية للنزاع. ومنذ ذلك الحين، تحولت القضية إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في القارة الإفريقية، وتعطل بسببها مشروع الاتحاد المغاربي، واستنزفت ثروات هائلة كان الأولى أن تُوجَّه إلى التنمية والاندماج الإقليمي بدل تكريس الصراع.
أما موريتانيا، فلم تكن بمنأى عن هواجس التوسع. فقد ظلت خرائط "المغرب الكبير" التي امتدت، في بعض التصورات، من طنجة إلى نهر السنغال، حاضرة في الذاكرة السياسية للمنطقة، وأثارت مخاوف عميقة بشأن احترام سيادة الدول وحدودها. ومهما حاولت الدبلوماسية المغربية طي تلك الصفحة، فإن الذاكرة السياسية لا تنسى الخرائط التي رُسمت، ولا الأطماع التي أُعلنت، لأن مثل هذه المشاريع تترك آثارًا أبعد من عمر أصحابها.
ولم يكتفِ النظام المغربي بإرباك جواره المباشر، بل نقل سياسة الضغط إلى الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط. فأصبحت إسبانيا هدفًا متكررًا لحملات الضغط السياسي، عبر توظيف ملفات الهجرة والتعاون الأمني كلما خرجت مدريد عن الخط الذي يرسمه المخزن. وسرعان ما تتحول هذه الملفات إلى وسائل للمساومة والضغط، في سلوك يكشف أن الرباط تنظر إلى القضايا الإنسانية والأمنية بوصفها أوراقًا تفاوضية، لا مسؤوليات مشتركة بين الدول. وهكذا غدت معاناة آلاف المهاجرين، وما يرتبط بها من تحديات أمنية وإنسانية، جزءًا من أدوات إدارة الخلافات السياسية، في مشهد يثير تساؤلات متزايدة داخل الأوساط الأوروبية حول مدى موثوقية هذا النهج كشريك استراتيجي.
ولم يكن الاتحاد الأوروبي بمنأى عن هذه السياسة. فكلما صدرت مواقف سياسية أو أحكام قضائية لا تنسجم مع الرؤية المغربية، ارتفعت لغة الضغوط، وعادت ملفات الهجرة والتعاون الأمني والاقتصادي إلى واجهة المساومة. ولم يعد خافيًا أن الرباط تحاول، في كل محطة مفصلية، توظيف ما تملكه من أوراق للضغط على شركائها الأوروبيين، في محاولة لانتزاع مواقف سياسية لا تستطيع فرضها بمنطق القانون الدولي.
إن أخطر ما في هذا النهج أنه لم يعد مجرد إدارة للأزمات، بل أصبح قائمًا على صناعتها واستثمارها. فكلما اشتدت الضغوط الداخلية، جرى تصدير التوتر إلى الخارج، وافتُعلت معارك دبلوماسية جديدة، في محاولة لتحويل الأنظار عن الإخفاقات الداخلية وإعادة إنتاج خطاب الحصار والمؤامرة. وهكذا تحولت السياسة الخارجية، في كثير من الأحيان، إلى أداة للهروب إلى الأمام، بدل أن تكون وسيلة لبناء الثقة وتعزيز الاستقرار.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة ليس أن تختلف مع جار أو اثنين، فذلك أمر تعرفه العلاقات الدولية، وإنما أن يتحول الخلاف إلى نمط حكم، وأن تصبح الأزمات جزءًا من هويتها الدبلوماسية. فعندما تمتد التوترات من الجزائر إلى الصحراء الغربية، ومن موريتانيا إلى إسبانيا، وتصل ارتداداتها إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، فإننا لا نكون أمام سلسلة من المصادفات، بل أمام نهج سياسي قائم على فرض الأمر الواقع، وابتزاز الخصوم، وإدارة العلاقات الخارجية بمنطق الغلبة لا بمنطق الشراكة.
لقد أضاع المغرب، على مدى عقود، فرصة تاريخية ليكون جسرًا للتكامل بين إفريقيا وأوروبا، وركيزةً للاستقرار في المغرب العربي. لكنه اختار، بإرادته، أن يجعل من نفسه بؤرة توتر دائمة، وأن يستبدل سياسة بناء الثقة بسياسة صناعة الأزمات. والتاريخ لا يرحم مثل هذه الخيارات؛ لأن الدول التي تجعل من النزاع وسيلتها المفضلة لإدارة محيطها، قد تنجح في تأجيل استحقاقات الواقع، لكنها لا تستطيع الهروب منها إلى الأبد. فالجغرافيا لا تُبتز، والقانون الدولي لا يسقط بالتقادم، وحقوق الشعوب لا تمحوها موازين القوة، أما الأزمات التي تُصنع عمدًا، فإنها لا تلبث أن ترتد على صانعيها، وتتحول من أوراق ضغط إلى أعباء استراتيجية يصعب التخلص منها.

سلامة مولود اباعلي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...