القائمة الرئيسية

الصفحات

قبل اللجان... من يجيب عن الأسئلة الكبرى؟.

                             


الحقيقة المؤلمة أفضل من الوهم المريح. فالأوهام قد تمنح لحظة من الرضا، لكنها لا تصنع نصرًا، ولا تبني مؤسسة، ولا تصحح مسارًا. أما الحقيقة، مهما كانت قاسية، فهي البداية الوحيدة لكل إصلاح، وأول الطريق نحو استعادة الثقة.
في كل محطة تسبق المؤتمر الشعبي العام، يتكرر المشهد ذاته؛ تتشكل اللجان، وتتكاثر الاجتماعات، وتكثر الوثائق والعناوين، وكأن المشكلة تكمن في غياب الأوراق، لا في غياب الإجابات. وكأن الأزمة أزمة هياكل، لا أزمة إرادة سياسية.
هذه المرة، شكّل مكتب الأمانة الوطنية لجانًا جديدة لتحل محل "خلية التفكير" التي اعتاد تشكيلها كلما اقترب موعد المؤتمر الشعبي العام. لكن السؤال ليس: كم لجنة شُكلت؟ بل: لماذا شُكلت؟ وهل المطلوب منها التفكير في المستقبل، أم صرف الأنظار عن أسئلة الحاضر التي لم تجد جوابًا منذ المؤتمر السادس عشر؟
والأكثر إثارة للتساؤل أن هذه اللجان جاءت خالية من مكونات كان يفترض أن تكون في صدارة أي نقاش حول المستقبل؛ جيش التحرير الشعبي، والشباب، والنساء، وعدد من الأصوات التي طالبت، منذ سنوات، بالإصلاح والمراجعة والنقد المسؤول. وعندما يُغيَّب أصحاب الأسئلة، يصبح من المشروع أن يُطرح سؤال آخر: هل المطلوب البحث عن حلول، أم تجنب طرح المشكلات؟
غير أن القضية ليست قضية لجان، بل قضية حصيلة. فلا يمكن لأي مؤتمر جديد أن يُبنى على ذاكرة مثقوبة، ولا أن يفتح دفاتر وعود جديدة قبل إغلاق دفاتر الوعود القديمة.
لقد قطع المؤتمر السادس عشر على نفسه تعهدات واضحة، ولم تكن مجرد شعارات عابرة، بل التزامات سياسية وأخلاقية أمام الشعب.
قيل يومها إن الطائرات المسيّرة ستصبح في خبر كان، وإن جيش التحرير الشعبي سيمتلك القدرة على تحييد هذا الخطر. واليوم، وبعد سنوات، من حق الجميع أن يسأل: ماذا تحقق؟ وما الذي حال دون تحقيق ما وُعد به؟
وقيل أيضًا إن المرحلة القادمة ستكون مرحلة الصرامة، وإن من لم يكن في مستوى المسؤولية فليخلِ الطريق. لكن أين هي تلك الصرامة؟ ومن الذي خلى الطريق؟ وأين تجلت المحاسبة التي كانت عنوانًا للمؤتمر؟
وجُعل الشباب عنوانًا للمرحلة، والخدمات الاجتماعية إحدى أولوياتها. غير أن الشباب ما يزال ينتظر مكانه الطبيعي في مواقع القرار، وما تزال الخدمات الاجتماعية تراوح مكانها، وكأن الزمن توقف عند لحظة إطلاق الوعود.
ثم يأتي الملف الذي كان ينبغي أن يكون عنوان المرحلة كلها: المناطق المحررة.
لقد قُدمت على أنها فضاء لترسيخ السيادة الوطنية، ومجال تمارس فيه الدولة حضورها السياسي والعسكري والإداري، ومنارة للمواجهة مع العدو. لكن ما يراه كثيرون اليوم أن هذه المناطق تحولت، عمليًا، إلى ما يشبه المنطقة العازلة، بدل أن تكون فضاءً لممارسة السيادة الوطنية وتجسيد المشروع الوطني على الأرض. وبين الوعد والواقع، تبقى الأسئلة معلقة، تنتظر من يملك الشجاعة للإجابة عنها.
ولا يقل الملف الدبلوماسي خطورة عن ذلك. فالقضية الوطنية تعيش، منذ سنوات، أزمة دبلوماسية غير مسبوقة، في وقت كانت الوعود تتحدث عن توسيع دائرة المكاسب وتعزيز الحضور الدولي. واليوم، وقبل الحديث عن أي برنامج جديد، يصبح من حق الجميع أن يعرف كيف تُقيَّم هذه الحصيلة، وما هي أسبابها، وما هي سبل تجاوزها.
إن هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، ولا مزايدة سياسية، بل هي المدخل الطبيعي لأي إصلاح حقيقي. فالمؤتمر السابع عشر لن يكتسب شرعيته من عدد اللجان التي تشكل، ولا من كثرة الوثائق التي تُنجز، وإنما من قدرته على تقديم إجابات صريحة عن الأسئلة التي تراكمت منذ المؤتمر السادس عشر.
لذلك، وقبل اللجان، وقبل البرامج، وقبل توزيع المسؤوليات، هناك استحقاق واحد لا يحتمل التأجيل: تقييم المرحلة الفاصلة بين المؤتمرين، بكل ما لها وما عليها، والإجابة بوضوح عن الوعود التي قُطعت للشعب، ولماذا تعثر انجازها؟.
فذلك هو السؤال الكبير... وكل ما عداه تفاصيل.

سلامة مولود اباعلي

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...