القائمة الرئيسية

الصفحات

يوم الهجمة... عندما يفضح البحر ما تعجز دعاية المخزن عن إخفائه



هناك مشاهد لا تحتاج إلى تعليق، لأنها تقول كل شيء. آلاف الشبان يتجهون نحو الشمال، بعضهم يحمل أملاً، وآخرون يحملون خوفاً، وجميعهم يحملون قناعة واحدة: أن المستقبل الذي يبحثون عنه لم يعد موجوداً في وطنهم.

المفارقة التي يصعب تجاهلها أن الوجهة ليست بلداً بعيداً في أقصى أوروبا، بل مدينة سبتة التي يصفها الخطاب الرسمي المغربي، صباح مساء، بأنها "مدينة مغربية محتلة" وإذا كانت كذلك، فلماذا أصبحت حلم آلاف الشباب؟ ولماذا يتحول المكان الذي يقال إنه تحت الاحتلال إلى ملاذ، بينما يتحول الوطن إلى نقطة انطلاق للهجرة؟
إن البحر لا يكذب، فهو لا يحمل شعارات، ولا يردد بيانات رسمية، ولا يزين الواقع، إنه يكشف الحقيقة كما هي وعندما يقرر آلاف الأشخاص المجازفة بحياتهم لعبور بضعة أمتار من الماء، فإنهم يوجهون رسالة أقوى من أي خطاب سياسي: الأمل بالنسبة إليهم أصبح في الضفة الأخرى.
وليس من السهل على شاب أن يودع أسرته وهو يعلم أن البحر قد يكون قبره، لكنه مع ذلك يختار المخاطرة، فهذا القرار لا يصنعه الفضول، بل تصنعه سنوات من الإحباط، وضيق الفرص، وانسداد الآفاق، والشعور بأن المستقبل بات بعيد المنال.
واللافت أن كثيراً من التعليقات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لم تتوقف عند مشهد الهجرة نفسه، بل عند المفارقة السياسية التي يكشفها، فكيف يمكن لدولة تؤكد أنها استعادت كرامتها وسيادتها أن تجد آلافاً من شبابها يفرون نحو مدينة تصفها هي نفسها بأنها "محتلة"؟ وكيف تحولت تلك المدينة إلى رمز للأمل، بينما أصبح البقاء داخل الوطن بالنسبة لكثير من المغاربة مرادفاً لانتظار المجهول؟

إن الهجرة الجماعية ليست مجرد قضية أمنية، وليست رقماً يضاف إلى الإحصاءات، إنها مؤشر على أزمة ثقة بين المواطن وواقعه. فحين يصبح البحر أقل رعباً من الحاضر المثقل بالازمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمستقبل المجهول، لا تكون المشكلة في الأمواج، بل في الظروف التي دفعت الناس إلى مواجهتها.
لقد أثبتت التجارب أن الأسلاك الشائكة، والدوريات الأمنية، وحملات المنع، قد تؤخر موجة الهجرة، لكنها لا تزيل أسبابها. فالشباب لا يهربون من أوطانهم لأنهم يعشقون الغربة، بل لأنهم يبحثون عن فرصة يعتقدون أنها لم تعد متاحة لهم حيث يعيشون.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه مع كل موجة جديدة: إلى متى سيظل واقع البؤس المغربي  يكذب الرواية المخزنية الرسمية؟ وإلى متى سيظل البحر يكشف، في كل مرة، أن الشعارات مهما علت لا تستطيع أن تمنع الناس من البحث عن حياة يرونها أكثر أمناً وكرامة، حتى وإن كانت البداية سباحة نحو مدينة يصفها الخطاب الرسمي بأنها "محتلة"؟

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...