سرعان ما انسجمت مع رفاق الزنزانة، وكانت عشرتهم سهلة ومرحة، لا تعقيد فيها. وبرغم إكراهات الحبس النفسية والفكرية، وظروف الإضراب عن الطعام، الذي دخلت فيه معهم بعد سجني بأربعة أيام، إلا أن الحياة داخل الزنزانة كانت منظمة، لا فوضى فيها ولا صراع.
كان يحدث أحياناً أن يتصايح بعضنا على بعض، ثم سرعان ما نهدأ ونتراضى. وكان النظام الداخلي يحرص بشدة على نظافة الزنزانة، وخاصة الحمام، وعلى تنظيم أوقات الاستحمام بما لا يتعارض مع أوقات قضاء الحاجة. فالأشياء التي تبدو خارج السجن عادية وغير مؤثرة، تكون بداخله سبباً في نشوب العراك والتنازع.
كنا نحرص أيضاً على توفير الهدوء الكافي للاستماع إلى الراديو ونشرات الأخبار الوطنية راديو البوليساريو. كما كانت اللجنة الإعلامية مسؤولة عن نقل كل ما يطرأ علينا داخل الحبس، خاصة آخر تطورات الإضراب عن الطعام، وأوضاع المضربين من الناحية الصحية على وجه الدقة.
كان محمد بلا، أو المحجوب شتيوي، وأحياناً حسنة المكي، يتلقون اتصالات محددة من جهات بعينها، أظنها كانت على النحو التالي:
* عمر بولسان، مسؤول مكتب جبهة البوليساريو في جزر الكناري.
* يحظيه التروزي، ناشط حقوقي، ومسؤول عن موقع إلكتروني شهير آنذاك اسمه دفاتر الصحراء.
* إبراهيم دحان “بگنا”، ناشط حقوقي، ورئيس جمعية ASVDH.
وكانوا يزودونهم بأهم المعلومات حول الإضراب عن الطعام، والحالات التي تعاني من مضاعفاته، وما إلى ذلك. وما هي إلا لحظات حتى تطير تلك المعلومات، فتتحول إلى تقارير، ومادة دسمة للأخبار الوطنية والدولية.
وكان يُمنع على أي فرد من المجموعة إجراء مقابلات صحفية، أو الإدلاء بتصريحات باسم المجموعة، إذ تُركت هذه المهمة للسيد علي سالم التامك وحده، على أن يكون كل ما يصدر في هذا الشأن منسجماً مع مبدأ الشورى، ومراعياً لمصلحة المجموعة، وحافظاً لمكاسبها.
وقد كانت هذه أبرز ملاحظاتي حول ما كان يدور داخل الزنزانة، التي كانت تبدو مثالية إلى أقصى حد. أما الحياة وراء بابها فكانت مختلفة تماماً؛ إذ لم تكن، في الواقع، حياة، وإنما عذاباً يتجرعه الكائن الحي، في انتظار إحدى الحسنيين: الموت أو الفرج.
كانت الفوضى والاكتظاظ يضربان أطنابهما في كل أرجاء السجن، ولم يكن ذلك المكان فضاءً، كما يُشاع عنه، للإصلاح وإعادة تأهيل السجناء، بل كان منبعاً للوحشة، والقهر، والظلم، والتعذيب، وتجريد الإنسان من أبسط حقوقه الأساسية. مرض، وبؤس، وشجارات، وقسوة لا يكاد يُعرف لها آخر.
ولم يكن ذلك الواقع عفوياً، أو نتيجة لظروف معينة، بل كان واقعاً مدروساً وممنهجاً، تشرف عليه، بشكل كامل، إدارة السجن.
واستكمالاً لهذا البؤس، كانت تنتشر، على عينك يا تاجر، ظواهر السرقة، والسلب، والنهب، والاغتصاب. أما بيع الحشيش والأقراص المهلوسة، فحدِّث ولا حرج.
وبعد أربعة أيام فقط من دخولي السجن، ذُبح أمامي، في ساحة السجن، شاب صحراوي يدعى أحمد الداودي، من الوريد إلى الوريد، بسبب نزاع أحسب أنه كان من هذا النوع.
ولأن إدارة السجن أهملت واجبها في توفير الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة لنزلاء السجن فقد كان الحصول، على سبيل المثال، على مكان للنوم داخل الزنازين، أشبه بالغوص في بحر متلاطم الأمواج بحثاً عن لؤلؤة مكنونة.
ولم يكن ذلك عائقاً أمام نفر من بلطجية الحبس، بل تحول عندهم إلى وسيلة من وسائل كسب العيش.
والبلطجة المقصودة هنا هي نوع من النشاط الإجرامي، يقوم من يمارسه، مسنوداً بصمت حراس السجن، بفرض السيطرة على سجناء الزنزانة، وإرهابهم وتخويفهم بالقوة، مستنداً، في الغالب، إلى نفوذ مكتسب من إدارة السجن، وأحياناً إلى عدد المرات التي قضوها داخل السجن.
فما أكثر هنا الذين عمروا السجون أكثر مما يعمر النساك مجالس الذكر!
وكان السجين الوافد، إذا أراد مكاناً يتسع لجسده، مضطراً إلى أن يدفع ثمناً لذلك، إما من ماله، أو من كرامته، أو من عرضه.
وإن لم يكن بمقدوره شيء من ذلك، فإن وجد بعدئذٍ مكاناً يتسع لمؤخرته داخل حمام الزنزانة، فلا يقنط من رحمة الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
يتبع…
الولي الشيخ اميدان
