القائمة الرئيسية

الصفحات

حين تصبح الدعاية سلاحًا لاحتلال الوعي

في الأيام الأخيرة، لفتت انتباهي مجموعة من المقالات والدراسات التي كتبها عدد من الزملاء، وفي مقدمتهم الأخ البشير محمد لحسنBachir Bachir Mohamed Lahsen ، والتي تناولت بأسلوب عميق واحدة من أخطر المعارك التي تواجه الشعب الصحراوي اليوم: معركة كي الوعي. فهذه المعركة لم تعد تدور حول الأرض أو السياسة فقط، بل أصبحت تستهدف عقل الإنسان الصحراوي وإيمانه بعدالة قضيته.
فالخطاب الموجه اليوم لا يهدف فقط إلى تبرير الاحتلال، بل يسعى إلى ترسيخ قناعة بأن القضية الصحراوية انتهت، وأن العالم حسم أمره، وأنه لم يعد هناك ما يستحق النضال من أجله. وتُروَّج هذه السردية عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، ومن خلال أصوات تتبناها، في محاولة لتحويل التكرار إلى حقيقة، واليأس إلى قناعة.
غير أن التاريخ يعلمنا أن الاحتلال لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى قبل ذلك إلى احتلال العقول. فعندما يعجز عن فرض شرعيته بالقانون، يحاول فرضها بالدعاية، وبث الإحباط، وإقناع الشعوب بأن مقاومتها أصبحت بلا جدوى.
وهذا الأسلوب ليس جديدًا، بل رافق معظم تجارب الاحتلال عبر التاريخ.
ففي غزوة أُحد، كادت إشاعة مقتل الرسول ﷺ أن تُحدث انهيارًا في صفوف المسلمين، بعدما اعتقد بعضهم أن المعركة انتهت. لكن الحقيقة سرعان ما بددت أثر الشائعة، لتبقى هذه الحادثة شاهدًا على أن الحرب النفسية قد تكون أخطر من المواجهة العسكرية.
وعندما احتلت فرنسا الجزائر، روّجت لأكثر من قرن أن الجزائر أصبحت جزءًا من فرنسا وأن القضية حُسمت نهائيًا، لكن ثورة التحرير أثبتت أن إرادة الشعوب أقوى من دعاية المحتل.
وتكرر المشهد في تيمور الشرقية، حيث أُعلن أن الإقليم أصبح جزءًا من إندونيسيا وأن الملف قد أُغلق، غير أن المقاومة استمرت حتى نال الشعب حقه في تقرير المصير.
ومن أقدم النماذج أيضًا قصة حصان طروادة، حيث عجز الإغريق عن اقتحام مدينة طروادة بالقوة، فلجأوا إلى الخداع، وتركوا حصانًا خشبيًا ضخمًا أوهموا الطرواديين بأنه هدية وانسحاب نهائي من الحرب. وما إن أدخلوه إلى داخل المدينة حتى خرج الجنود المختبئون فيه ليلًا وفتحوا الأبواب لجيشهم، فسقطت المدينة. وتبقى هذه القصة، سواء نُظر إليها كرواية تاريخية أو ملحمة أدبية، رمزًا لكيف يمكن للخداع والتضليل أن يحققا ما تعجز عنه القوة العسكرية.
تجمع هذه النماذج حقيقة واحدة: أن الاحتلال يحاول أولًا احتلال الوعي، وإقناع الضحية بأن قضيتها انتهت وأن العالم تجاوزها. لكن التاريخ يثبت أن تكرار الرواية لا يصنع حقيقة، وأن الحقوق لا تسقط بالدعاية، ولا تُلغى بتبدل المواقف السياسية.
ومن هذا المنطلق، فإن محاولات إقناع الصحراويين بأن قضيتهم قد طُويت ليست سوى امتداد لأسلوب قديم استخدمته قوى الاحتلال في أماكن مختلفة من العالم. فقد تنجح الدعاية في إرباك الوعي لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تمنح شرعية، ولا أن تلغي حقًا، ولا أن تكتب النهاية لقضية ما دام أصحابها متمسكين بها.
إن أخطر ما يمكن أن نخسره ليس معركة على الأرض، بل معركة في الوعي. لذلك، فإن مسؤوليتنا جميعًا، شعبًا ونخبًا وإعلامًا، هي تحصين الوعي الوطني، والتمسك بالثقة بعدالة القضية، ومواجهة الإشاعة بالحقيقة، واليأس بالأمل، والانقسام بالوحدة. 
فالتاريخ لم يكن يومًا ملكًا لأصحاب الدعاية، بل كتبه أولئك الذين صبروا وتمسكوا بحقوقهم حتى انتصروا.
الركيبي عبدالله

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...