القائمة الرئيسية

الصفحات

من فم الثعبان إلى نور الحرية | الحلقة السادسة: من قلعة مكونة إلى سلا... حين يعود السجن من جديد



اعتقدت المناضلة الدكجة لشكر، وهي تغادر أسوار قلعة مكونة بعد سنوات طويلة من الاعتقال، أن صفحة السجن قد طُويت إلى غير رجعة.
لكن في المناطق المحتلة من الصحراء الغربية، لم يكن الخروج من الزنزانة يعني نهاية المعاناة.
فالاحتلال الذي لم يستطع كسر إرادتها داخل السجن، ظل يلاحقها خارج أسواره.
لم تتوقف عن نشاطها الحقوقي، ولم تتخل عن مواقفها السياسية، وظلت صوتاً يدافع عن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، ويكشف ما يتعرض له المدنيون الصحراويون من انتهاكات.
ومع مرور السنوات، أصبحت من أبرز الوجوه النسائية المدافعة عن حقوق الإنسان في المدن المحتلة.
لكن الطريق الذي اختارته كان محفوفاً بالمخاطر.
في خريف عام 2009، شاركت الدكجة، رفقة عدد من النشطاء الصحراويين، في زيارة إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين، حيث التقوا بعائلاتهم واطلعوا على أوضاع اللاجئين، كما أجروا لقاءات مع مسؤولين وممثلي منظمات المجتمع المدني وقيادات الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب.
وعند عودتهم، لم يكونوا يدركون أن رحلتهم ستنتهي باعتقال جديد.
في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2009، وما إن حطت الطائرة بمطار محمد الخامس بمدينة الدار البيضاء، حتى بدأت فصول قصة أخرى.
لم يسمح لهم حتى بالنزول بشكل طبيعي.
وعلى سلم الطائرة، طوقت قوات الأمن المكان.
اقتيد النشطاء الواحد تلو الآخر.
عُصبت أعينهم.
ووُضعوا داخل سيارات مدنية انطلقت بهم إلى جهة مجهولة.
تقول الدكجة إن تلك اللحظات أعادتها سنوات إلى الوراء.
كانت تشعر وكأن التاريخ يعيد نفسه.
الأسلوب ذاته.
العصابة على العينين.
المكان المجهول.
والأسئلة التي تبدأ قبل الوصول إلى غرفة التحقيق.
لم تكن تعرف أين هي.
ولا من يحقق معها.
ولا متى ستخرج.
ثمانية أيام كاملة قضتها في الحجز السري، داخل زنزانة انفرادية، تعرضت خلالها لاستنطاق متواصل، في ظروف وصفتها بالقاسية والمهينة.
كانت الساعات تمر ببطء.
وكان الليل والنهار يختلطان.
ولم تكن تملك سوى ذاكرتها، وإيمانها بعدالة القضية التي دفعت ثمنها مرتين.
بعد انتهاء التحقيق، أُحيلت مع بقية النشطاء إلى المحكمة العسكرية بالرباط، حيث وُجهت إليهم تهم ثقيلة، قبل نقلهم إلى السجن المحلي بسلا.
وهناك بدأت معاناة من نوع آخر.
فُصلت الدكجة عن رفاقها.
وأُودعت في جناح يضم أكثر من مائة سجينة من الحق العام.
تصف تلك المرحلة بأنها كانت من أصعب الفترات التي عاشتها، ليس بسبب الاكتظاظ فحسب، بل بسبب الأجواء التي كانت تحيط بها.
كانت الأصوات لا تهدأ.
والصراخ لا ينقطع.
وكانت تشعر أنها تُدفع عمداً إلى بيئة مختلفة تماماً، في محاولة لعزلها نفسياً وكسر معنوياتها.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك.
فبعد فترة، نُقلت إلى زنزانة انفرادية شديدة الضيق، لا تكاد تتسع لجسدها.
كانت الزنزانة تضم مرحاضاً داخل المساحة نفسها.
وتروي الدكجة أن المرض والإرهاق بدآ ينالان منها، خاصة مع استمرار الإضراب عن الطعام، وما رافقه من تدهور في حالتها الصحية.
كما تتحدث عن تعرضها، لسلسلة من الاستفزازات داخل السجن، كانت تهدف إلى حرمانها من النوم وإضعافها نفسياً.
ومع ذلك، لم تتراجع.
كانت تدرك أن السجن قد يسلب الإنسان حريته، لكنه لا يستطيع أن ينتزع قناعته.
ولذلك، بقيت متمسكة بموقفها، مؤمنة بأن ثمن الحرية قد يكون باهظاً، لكنه يظل أقل كلفة من الاستسلام.
بعد أكثر من عقدين بين تجربة الاعتقال الأولى والثانية، اكتشفت الدكجة حقيقة مؤلمة.
أن الزنازين قد تتغير.
وأن السجون قد تختلف أسماؤها.
لكن معاناة السجين السياسي تبقى واحدة.
وفي كل مرة كانت تخرج فيها من زنزانة، كانت تحمل معها يقيناً جديداً:
أن الحرية ليست مجرد باب يُفتح.
بل هي موقف لا يتغير.
وفي الحلقة القادمة...
"من الخميس إلى الخميس"... كيف استعادت الدكجة حريتها بعد تدهور حالتها الصحية؟ وكيف واصلت نضالها خارج أسوار السجن؟
يتبع...

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...