القائمة الرئيسية

الصفحات

بين خطاب العرش وقوارب الهروب... أيهما يعكس حقيقة المغرب؟


في الوقت الذي كان فيه الملك المغربي محمد السادس يلقي خطابه بمناسبة ما يسمى "عيد العرش"، كانت صورة أخرى تُرسم على بعد كيلومترات قليلة من القصر، لم تكن صورة احتفالات أو مظاهر ازدهار، بل كانت صورة مئات، بل آلاف الشبان المغاربة وهم يندفعون نحو البحر، يحاولون الوصول سباحة إلى مدينة سبتة الإسبانية، حيث تكدست مراكز الإيواء في واحدة من أكبر موجات الهجرة التي شهدتها المدينة هروبا من الجحيم الذي يعيشه ملايين المغاربة تحت خط الفقر.

إنها مفارقة كبيرة تختزل التناقض بين الخطاب والواقع الحقيقي للمغرب من الداخل.
فبينما يتحدث الملك المغربي عن الإنجازات، يختار آلاف الشباب الهروب من هذه "الإنجازات"، الوهمية تاركين خلفهم أسرهم وأحلامهم، ومستعدين للمجازفة بحياتهم في البحر وبينما تُقدَّم صورة بلد يسير بثبات نحو التنمية، يبعث الواقع برسالة مختلفة تمامًا، عنوانها أن أعدادًا متزايدة من الشباب لم تعد ترى مستقبلها داخل حدود مملكة تنهشها امراض الفساد والفقر والحرمان وكبت الحريات وهضم الحقوق.
والأكثر إثارة للمفارقة أن الهروب الى مدينة سبتة، التي يصفها الخطاب الرسمي المغربي بأنها "مدينة محتلة"، فإذا كانت كذلك، فلماذا أصبحت بالنسبة إلى آلاف الشباب المغربيين بوابة للأمل؟ ولماذا يفضل كثيرون المخاطرة بالغرق للوصول إليها بدل البقاء في بلدهم؟
إن مشاهد الفرح التي ارتسمت على وجوه الشبان بعد وصولهم إلى سبتة لم تكن احتفالًا بعبور حدود جغرافية فحسب، بل كانت، في نظر كثير من المتابعين، تعبيرًا عن شعورهم بأنهم بلغوا فرصة جديدة للحياة وهي مشاهد تطرح أسئلة صعبة حول الفجوة بين خطاب ملك المغرب والواقع الذي يعيشه جزء كبير من الشباب المغربي.
فالخطابات السياسية تُقاس بقدرتها على ملامسة حياة المواطنين، لا ببلاغة عباراتها وعندما تتزامن كلمات تتحدث عن التقدم والاستقرار مع مشاهد هجرة جماعية، يصبح الواقع هو المعيار الحقيقي للحكم على السياسات العامة.
ولا يمكن اختزال هذه الظاهرة في بعدها الأمني أو التعامل معها باعتبارها مجرد محاولات هجرة غير نظامية فهي تعكس، أزمة تتعلق بالفرص الاقتصادية، وبطموحات الشباب، وبالشعور بأن المستقبل المنشود يوجد خارج البلاد لا داخلها.
لقد كان البحر، في تلك الليلة، أكثر بلاغة من أي خطاب، فالأمواج لم تكن تنقل أجساد المهاجرين فقط، بل حملت معها رسالة سياسية واجتماعية واضحة أن هناك فجوة بين الصورة التي يريد ملك المغرب تقديمها عن الواقع، والصورة التي يرسمها آلاف الشباب بأقدامهم وهم يغادرون وطنهم بحثًا عن أفق آخر.
ويبقى السؤال الذي سيظل يرافق كل خطاب لملك المغرب وكل موجة هجرة جديدة: أي المشهدين يعبر عن حقيقة المغرب اليوم؟ منصة الاحتفال، أم شواطئ الهجرة؟

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...