يبدو أن معجزة جديدة قد تحققت في قضية الصحراء الغربية: لم تعد الشرعية الدولية تحتاج إلى مفاوضات طويلة، ولا إلى قرارات الأمم المتحدة، ولا إلى تسوية سياسية، ولا حتى إلى رأي سكان الإقليم... يكفي أن تعبّد طريقاً، ثم تطلق عليه اسم دونالد ترامب!
وهكذا، وبكل بساطة، أصبح لدينا "طريق ترامب" في الصحراء الغربية. ومن يدري؟ ربما تكون هذه هي الوصفة السحرية التي كان العالم يبحث عنها منذ عقود لحل النزاع!
فإذا كانت تسمية الطريق باسم الرئيس الأمريكي تمنح السيادة، فلماذا لا نذهب أبعد من ذلك؟ يمكن تسمية الميناء باسم ترامب، والمطار باسم ترامب، والجسور باسم ترامب، وربما في المرحلة المقبلة يتم إطلاق اسم "ترامب" على الصحراء الغربية نفسها، وهكذا ينتهي النزاع بقرار إداري بسيط!
لكن المشكلة الصغيرة، جداً، هي أن القانون الدولي لا يعمل بهذه الطريقة.
فالطريق، مهما كان طويلاً وعريضاً وحديثاً، يظل طريقاً. واللافتة، مهما كان الاسم المكتوب عليها كبيراً، تظل لافتة. أما وضع الصحراء الغربية، فلا تحدده أسماء الطرق ولا أسماء الرؤساء، وإنما تحدده قواعد القانون الدولي ومسار التسوية السياسية وحق تقرير المصير.
ومن هنا تبدو تسمية الطريق بـ"طريق ترامب" أقرب إلى هدية رمزية سياسية منها إلى إنجاز يمكن أن يغير شيئاً في جوهر القضية. فالرباط حصلت من ترامب في عام 2020 على التويتر الاعتراف، لكنها لم تحصل بذلك على شيك مفتوح من المجتمع الدولي، ولم يتحول الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء الغربية إلى إجماع عالمي.
ولذلك، فإن إطلاق اسم ترامب على طريق في الإقليم يشبه إلى حد كبير محاولة وضع إطار ذهبي حول لوحة لم تُحسم ملكيتها بعد. قد يبدو الإطار جميلاً، وقد يلفت الأنظار، لكنه لا يحسم النزاع على اللوحة!
والأطرف أن اسم الطريق نفسه يطرح سؤالاً محرجاً: إذا كان الاعتراف الأمريكي كافياً لحسم القضية، فلماذا نحتاج إلى طريق يحمل اسم ترامب لتذكير الناس به؟ وإذا كان الأمر مجرد تكريم للرئيس، فلماذا اختير طريق يعبر إقليماً متنازعاً عليه تحديداً؟ أما إذا كان الهدف هو إضفاء شرعية إضافية على السيادة المغربية، فهنا تبدو الحكاية أكثر طرافة؛ لأن السيادة في القانون الدولي لا تُكتسب من خلال مراسم تدشين ولا من خلال لوحة تحمل اسماً مشهوراً.
لقد أصبحنا أمام معادلة طريفة: ترامب اعترف، والمغرب سَمَّى، والطريق عَبَر... لكن النزاع ما زال قائماً!
وهذا هو الجزء الذي يبدو أن أصحاب فكرة "طريق ترامب" نسوه: يمكنك أن تغيّر اسم الطريق، لكنك لا تستطيع أن تغيّر طبيعة القضية بمجرد تغيير اللافتة.
فالطريق سيمر من هنا أو من هناك، والسيارات ستسير عليه، والبضائع ستعبره، والمسافرون سيستخدمونه، لكن ذلك كله لا يجيب عن السؤال السياسي الأساسي: ما هو الوضع النهائي للصحراء الغربية؟ ومن يملك حق تقرير مستقبلها؟
بل إن جبهة البوليساريو تستطيع، من موقعها السياسي، أن تنظر إلى الأمر بسخرية مماثلة: إذا كان اسم ترامب سيحل المشكلة، فلماذا كل هذا الانتظار منذ عقود؟ لماذا كل هذه المفاوضات والبعثات الأممية والقرارات الدولية؟ بل لماذا يعين صهر ترامب ومستشاره لشؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا للبحث عن حل يرضي طرفي النزاع: المروك والبوليساريو؟ كان يمكن ببساطة أن يلتقي الجميع في حفل ساهر، ويختاروا اسماً مناسباً للطريق، ثم يعلنوا انتهاء النزاع!
وربما يأتي يوم نسمع فيه عن "ملعب ترامب" و"جسر ترامب" و"ميناء ترامب"، و"قبيلة ترامب" ثم ننتظر بعد ذلك أن تخبرنا لوحة جديدة بأن القضية قد حُسمت نهائياً!
لكن السياسة الدولية، لحسن الحظ، أكثر تعقيداً من ذلك.
إن مشاريع البنية التحتية قد تكون مفيدة للسكان، وهذا أمر لا خلاف عليه. لكن استخدامها كوسيلة لإنتاج شرعية سياسية أمر مختلف تماماً. فالتنمية شيء، والسيادة شيء آخر، والمشاريع الاقتصادية شيء، وتسوية النزاعات الدولية شيء ثالث.
لذلك، فإن "طريق ترامب" قد يكون طريقاً جيداً للسيارات، لكنه بالتأكيد ليس طريقاً مختصراً إلى الشرعية الدولية.
وإذا كان المغرب يعتقد أن اسم ترامب سيجعل الطريق أكثر مغربية، فربما عليه أن يتذكر أن الأسفلت لا يملك جنسية، واللافتات لا تصدر شهادات ملكية، وأسماء الرؤساء لا تلغي قرارات الأمم المتحدة.
أما الطريق الحقيقي لإنهاء النزاع، فهو ليس طريقاً يحمل اسم ترامب ولا ماكرون ولا نتنياهو، ولا طريقاً يحمل اسم أي رئيس آخر. إنه طريق التسوية السياسية التي تحظى بالشرعية الدولية وتحترم حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى اسم ترامب نكتة سياسية معلّقة على لافتة فوق طريق من الزفت؛ أما طريق الشرعية والقانون الدولي، فقد يكون بطيئاً أو طويلاً، لكنه الطريق الوحيد الذي يفضي الى حل سياسي لقضية الصحراء الغربية.
بقلم: محمد فاضل الهيط
