من فم الثعبان إلى نور الحرية
بعد سنوات طويلة في السجون، السرية المغربية يصبح الخروج حلماً.
لكن الأحلام، حين تتأخر كثيراً، لا تعود كما كانت.
تتغير ملامحها.
ويكبر معها ثمن الانتظار.
في قلعة مكونة، كانت الأيام تمر ببطء.
الملل يزحف إلى كل خلايا الجسد.
والتعب يتراكم.
والذاكرة تحمل إرثاً ثقيلاً من الوجوه والأصوات والأماكن.
لكن الدكجة لشكر والنجاة أخنيبيلا، ومثيلاتهن، كن يعرفن لماذا دخلن السجن.
لم يكن الاعتقال بالنسبة إليهن حادثاً عابراً.
كان ثمناً لقضية.
للوطن.
للحرية.
ولحلم الاستقلال.
كان ذلك الحلم، رغم كل شيء، يستحق التضحية.
لذلك، كانت الأيام تمر.
بطيئة.
ثقيلة.
لكنها تمر.
ومع كل يوم جديد، كانت المعتقلات يقتربن من لحظة لا يعرفن موعدها، لكنهن كن يؤمن بقدومها.
لحظة الصفر.
لحظة فك القيود.
لحظة فتح الباب.
لحظة الخروج.
متى؟
كان السؤال يتكرر.
متى؟
ثم تأتي الإجابة دائماً مؤجلة.
أيام قليلة.
ربما غداً.
ربما بعد غد.
ربما قبل شروق الشمس التي افتقدوها منذ دخلو السجون المغربية المظلمة.
كانت الحرية قريبة بما يكفي لتُحلم بها، وبعيدة بما يكفي لتبقي الانتظار مؤلماً.
ثم جاء اليوم.
خرجت الدكجة لشكر إلى الشمس.
لكن الشمس التي انتظرتها سنوات طويلة لم تكن وحدها في انتظارها.
كان هناك خبر آخر.
خبر سيغير حياتها إلى الأبد.
علمت أن زوجها غادر الحياة.
كان قد توفي بعد دخولها السجن بخمسة أعوام، وقبل خروجها منه بستة أعوام.
لقد عاشت سنوات طويلة داخل السجن، بينما كانت حياتها خارج الجدران تمضي في اتجاه آخر.
كانت تنتظر أن تخرج لتعود إلى زوجها.
لكنها خرجت لتكتشف أنها لن تعود إليه أبداً.
كانت تلك اللحظة مفصلية في حياتها.
فالحرية التي انتظرتها طويلاً جاءت.
لكنها لم تأتِ كاملة.
كان عليها أن تفرح بخروجها، وأن تواجه في الوقت نفسه غياب الرجل الذي شاركها الحياة والقضية.
كان عليها أن تبدأ من جديد.
لكن من أين يبدأ الإنسان بعد سنوات طويلة من السجن؟
من البيت؟
من الذاكرة؟
من الحزن؟
أم من القضية التي لم تتغير؟
تقول الدكجة إنها شعرت بالفخر.
فزوجها استشهد من أجل الوطن.
وهي كانت مناضلة وسجينة قضية.
وأرملة شهيد من أجل القضية الصحراوية التي تشق طريقها نحو الحرية ودحر الاحتلال الغاشم.
في تلك الكلمات، تختصر الدكجة شيئاً عميقاً.
فالحزن لم يلغِ الفخر.
والفقد لم يلغِ الوفاء.
والسجن لم يلغِ الإيمان.
كانت قد خرجت من السجن، لكنها لم تخرج من القضية.
أما النجاة أخنيبيلا، فقد كانت لحظة الحرية بالنسبة إليها مختلفة.
استعادت حريتها إلى جانب زوجها إبراهيم ولد بوركعة، الذي خرج من السجن هو الآخر.
لكن السنوات التي قضياها خلف القضبان لم تكن قد توقفت.
كان الزمن قد مرّ.
وكان الأطفال قد كبروا.
وكانت الحياة قد تغيرت.
خرجت النجاة لتجد أن ابنتها الصغرى لم تعد طفلة.
لقد كبرت.
وأصبحت امرأة.
لكن السجن لا يمنح المعتقل فرصة مراقبة الزمن.
فالسنوات التي تمر خلف القضبان لا تُرى.
ولا تُعاش.
ولا يمكن استعادتها.
في لحظة خروجها، أرادت السلطات أن تختبرها.
قدمت لها ابنتها الصغرى بين مجموعة من الفتيات في سنها.
وطلبت منها أن تميزها من بينهن.
كانت لحظة قاسية.
فالأم التي قضت سنوات بعيداً عن ابنتها، وجدت نفسها مطالبة بأن تتعرف إليها كما لو كانت غريبة.
لكن شيئاً آخر حدث.
تقول النجاة إنها شعرت بانجذاب خاص نحوها.
كان هناك شيء لا تستطيع وصفه.
ربما كانت الأمومة.
ربما كانت الذاكرة.
ربما كان ذلك الرابط الذي لا تستطيع السنوات قطعه.
ثم عرفتها.
وعاد اللقاء.
بعد سنوات من الغياب.
كانت الفرحة أكبر من الكلمات.
فرحة أم استعادتها ابنتها.
وفرحة ابنة استعادت أمها.
لكن خلف تلك الفرحة، كانت هناك سنوات كاملة لا يمكن استعادتها.
أعياد لم تعشها الأم مع أطفالها.
أيام مرض.
لحظات نجاح.
مناسبات عائلية.
طفولة كاملة.
كلها مرت بعيداً عن عينيها.
هكذا، خرجت الدكجة والنجاة من السجن.
لكن كل واحدة منهما حملت معها شيئاً من السجن.
الدكجة حملت فقدان الزوج.
والنجاة حملت سنوات غياب عن الأطفال.
وكلاهما حملتا ذاكرة المعتقلات.
وذاكرة من بقين خلف الجدران.
فالحرية ليست دائماً نهاية الألم.
أحياناً تكون بداية مواجهة الألم.
في السجن، يكون الإنسان منشغلاً بالبقاء.
باليوم التالي.
بالطعام.
بالمرض.
بالاستنطاق.
بالانتظار.
لكن عندما يخرج، يبدأ في اكتشاف كل ما فقده.
يكتشف السنوات.
والأصدقاء.
والأحبة.
والأجساد التي تغيرت.
والأطفال الذين كبروا.
والأشخاص الذين لم يعودوا موجودين.
ومع ذلك، لم تكن الحرية بالنسبة إلى الدكجة والنجاة نهاية الطريق.
فوقف إطلاق النار لم ينهِ الاحتلال.
والخروج من السجن لم ينهِ التضييق.
والسنوات التي قضينها خلف القضبان لم تصل فيها القضية الى الهدف المنشود في الحرية والاستقلال.
لقد خرجن من قلعة مكونة.
لكنهن لم يخرجن من دائرة المواجهة.
وفي مرحلة جديدة، كان عليهن أن يواجهن شكلاً آخر من القمع.
المضايقات.
التهديد.
المراقبة.
والاعتقال من جديد.
فقد تنتهي الحرب.
لكن الاحتلال قد يستمر.
وقد تتغير الزنازين.
لكن القيد يبقى.
وفي يوم من الأيام، ستجد الدكجة لشكر نفسها مرة أخرى في طريق الاعتقال.
هذه المرة، لن يكون الطريق إلى قلعة مكونة.
بل إلى سجن سلا.
وسوف تبدأ حكاية جديدة.
حكاية اختطاف من مطار محمد الخامس.
وزنازين مجهولة.
وثمانية أيام من الاستنطاق.
ثم سجن انفرادي لا يتجاوز نصف متر.
لكن قبل ذلك...
كان عليها أن تعيش سنوات الحرية.
وأن تكتشف أن الحرية في ظل الاحتلال ليست دائماً حرية كاملة.
فهل يمكن أن يخرج السجين من السجن، بينما يبقى الوطن كله سجناً كبيراً؟
في الحلقة القادمة:
من قلعة مكونة إلى سلا... حين تعود الدكجة إلى السجن من جديد.
يتبع...
