القائمة الرئيسية

الصفحات

في المغرب لا تستغرب : "لايفات الزواج" على تيك توك... عندما يتحول الميثاق الغليظ إلى مادة للفرجة والتفاعل


أعادت ظاهرة ما يعرف بـ"لايفات الزواج" في المغرب على منصة تيك توك فتح نقاش واسع حول حدود استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في القضايا الأسرية، بعد بروز أشخاص يقدمون أنفسهم باعتبارهم وسطاء بين الراغبين في الزواج، ومن بينهم مغربي يلقب نفسه بـ"الفقيه"، يقيم بإيطاليا، ويظهر مرتديًا الزي التقليدي المغربي، مستغلًا المظهر الديني لإضفاء هالة من المصداقية على نشاطه، رغم أنه لا يُعرف عنه تكوين شرعي يؤهله لحمل هذا اللقب.
ومن منظور الفقه الإسلامي، فإن الزواج ليس وسيلة للترفيه أو صناعة المحتوى، وإنما هو "ميثاق غليظ"، كما وصفه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا﴾، وهو عقد يقوم على المسؤولية والرضا والكفاءة وحفظ الكرامة، وليس على الاستعراض أمام آلاف المتابعين أو جمع المشاهدات والتفاعلات.
ولئن كان الإسلام لا يمنع الوساطة في الزواج، بل يحث عليها إذا كانت قائمة على الإصلاح والستر وحسن القصد، فإن هذه الوساطة لها ضوابط شرعية وأخلاقية، أبرزها صيانة خصوصية الناس، والتحقق من صدق الأطراف، وإبعاد الزواج عن مواطن الريبة والشهرة.
أما تحويل البحث عن شريك الحياة إلى بث مباشر يتنافس فيه المتابعون بالتعليقات والإعجابات، فإنه يفرغ الزواج من معناه الشرعي والإنساني.
كما أن اتخاذ لقب "الفقيه" دون استحقاق علمي يثير إشكالًا آخر، لأن الفقيه في الاصطلاح الإسلامي هو العالم المؤهل للاجتهاد أو الإفتاء أو بيان الأحكام الشرعية، وليس مجرد شخص يرتدي لباسًا دينيًا أو يدير جلسات مباشرة على منصات التواصل. واستغلال هذا اللقب لإضفاء الشرعية على محتوى ترفيهي قد يوقع الناس في اللبس، ويؤدي إلى الإساءة إلى مكانة العلماء والفقهاء الحقيقيين.
ويحذر عدد من المختصين من أن هذه "اللايفات" قد تجعل الزواج أقرب إلى سوق مفتوح، تُعرض فيه المواصفات الشخصية أمام الجمهور، بما قد يمس كرامة الأشخاص، ويعرضهم للسخرية أو الابتزاز أو الخداع، فضلًا عن غياب الضمانات التي تكفل التحقق من هوية المتقدمين أو صدق نواياهم.
ومن الناحية الشرعية، فإن التعارف المباح ينبغي أن يكون وسيلة تؤدي إلى بناء أسرة مستقرة، لا أن يتحول إلى مشهد جماهيري يخضع لمنطق الشهرة والخوارزميات وعدد المشاهدات. فالغاية المشروعة لا تبرر الوسائل التي تمس القيم أو تفضي إلى مفاسد راجحة، وهي قاعدة معتبرة عند جمهور الفقهاء.
إن التطور الرقمي لا يتعارض في ذاته مع مقاصد الشريعة، ويمكن الاستفادة من الوسائل الحديثة في التعارف المباح إذا روعيت الضوابط الشرعية والقانونية والأخلاقية، لكن تحويل الزواج إلى محتوى ترفيهي، واستغلال الرموز الدينية لجذب الجمهور، يمثل ظاهرة تستحق النقاش والتقويم، حفاظًا على قدسية الأسرة، وصونًا لحرمة الزواج الذي جعله الإسلام أساسًا لبناء المجتمع، لا وسيلة لتحقيق الشهرة أو صناعة المحتوى.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...