القائمة الرئيسية

الصفحات

التجويع والإذلال... حين تحولت لقمة العيش إلى وسيلة لتعذيب المعتقلين الصحراويين بالسجون السرية المغربية

 


لم تكن سنوات الاختفاء القسري التي أعقبت الاجتياح العسكري المغربي للصحراء الغربية مجرد مرحلة عابرة في تاريخ الشعب الصحراوي، بل شكلت واحدة من أكثر الفترات مأساوية، بعدما اختفى مئات المدنيين في ظروف غامضة، واقتيدوا إلى مراكز اعتقال سرية، دون محاكمة أو إخبار عائلاتهم بمصيرهم، في انتهاك صارخ لأبسط قواعد القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.


شهادات من الجحيم (3) :
التجويع والإذلال... حين تحولت لقمة العيش إلى وسيلة لتعذيب المعتقلين الصحراويين بالسجون السرية المغربية
لم يكن التعذيب داخل معتقل أكدز السري، وفق شهادات المعتقلين الصحراويين السابقين، يقتصر على الضرب أو الزنازين الضيقة أو الحرمان من الحرية، بل امتد ليطال أبسط مقومات الحياة: الطعام والماء والكرامة الإنسانية.
وفي شهادته ضمن سلسلة "ناجون من الموت"، يروي المختطف الصحراوي السابق ومعتقل الرأي بمعتقلي أكدز وقلعة مكونة، بشرايا أبا حازم، كيف تحولت لقمة العيش داخل المعتقل إلى وسيلة لإذلال السجناء وتحطيم معنوياتهم، في إطار ما يصفه بسياسة ممنهجة من قبل الأجهزة البوليسية للاحتلال المغربي هدفت إلى إنهاك المعتقلين جسديًا ونفسيًا.

تسعة أشهر من الجوع
يقول بشرايا أبا حازم إن الأشهر الأولى التي قضاها داخل معتقل أكدز كانت من أصعب مراحل الاعتقال، بسبب الترهيب النفسي والجسدي والنقص الحاد في الغذاء وسوء نوعيته.
ويضيف أن المعتقلين أمضوا قرابة تسعة أشهر وهم يعانون من الجوع المستمر، في ظل غياب الحد الأدنى من التغذية التي يحتاجها الإنسان للبقاء على قيد الحياة.
وكان الجوع، بحسب شهادته، رفيقًا دائمًا للمعتقلين، حتى أصبحت أجسادهم الهزيلة شاهدة على حجم المعاناة التي يعيشونها يومًا بعد يوم.

الإهانة قبل الطعام
لم يكن الهدف، كما يروي بشرايا، مجرد حرمان المعتقلين من الغذاء، بل كان الطعام نفسه وسيلة للإذلال النفسي.
ويستذكر أحد أكثر المشاهد التي بقيت عالقة في ذاكرته، حين كان أحد مسؤولي المعتقل يصفهم بابشع الأوصاف مع تقديم كل وجبة.
ويؤكد أن المقصود بهذه العبارات كان المعتقلين الصحراويين، في محاولة متعمدة للنيل من كرامتهم الإنسانية وإشعارهم بأنهم مجرد أرقام داخل المعتقل.
ويضيف أن هذه العبارات لم تكن استثناءً، بل كانت تتكرر بصورة شبه يومية، في إطار حرب نفسية استهدفت تحطيم إرادة السجناء.

"لن تخرجوا من هنا"
إلى جانب التجويع، كان المعتقلون، بحسب رواية بشرايا، يتعرضون بشكل دائم لتهديدات تهدف إلى زرع اليأس في نفوسهم.
ويقول إن الحراس كانوا يرددون باستمرار:
«"لن تخرجوا من هنا... وهذا هو مصيركم الأخير."»
ويشير إلى أن تكرار هذه العبارات كان يهدف إلى إقناع المعتقلين بأن العالم نسيهم، وأن لا أمل في الإفراج عنهم أو معرفة ذويهم بمصيرهم.
ويرى أن التعذيب النفسي كان في كثير من الأحيان أشد قسوة من التعذيب الجسدي، لأنه يستهدف كسر إرادة الإنسان ودفعه إلى الاستسلام.

أجساد أنهكها الجوع
ويؤكد بشرايا أبا حازم أن آثار التجويع ظهرت سريعًا على المعتقلين، إذ فقد كثير منهم أوزانهم بصورة كبيرة، وأصبح المرض رفيقًا دائمًا لهم.
ويشير إلى أن سوء التغذية، إلى جانب ظروف الاحتجاز القاسية، أدى إلى إصابة عدد من المعتقلين بأمراض مزمنة، بينما فقد آخرون القدرة على الحركة بعد إصابتهم بالشلل أو الإعياء الشديد.
ولم يكن داخل المعتقل، بحسب شهادته، أي اهتمام بالرعاية الصحية أو علاج المرضى، الأمر الذي ضاعف من معاناة السجناء، وجعل المرض جزءًا من العقوبة اليومية.

حين يصبح التضامن وسيلة للبقاء
ورغم كل تلك الظروف، يؤكد بشرايا أن المعتقلين لم يسمحوا للجوع بأن يهزمهم.
فقد نشأت بينهم، كما يقول، روح تضامن استثنائية، حيث كان المعتقلون يتقاسمون ما يصل إليهم من طعام، مهما كان قليلاً، ويحرصون على مساعدة المرضى وكبار السن ومن اشتد عليهم الجوع.
ويضيف أن هذه الروح الجماعية لم تكن مجرد تصرف إنساني، بل كانت وسيلة حقيقية للبقاء، وأسهمت في تخفيف آثار المعاناة اليومية.

الإيمان... قوة في مواجهة اليأس
ويرى بشرايا أبا حازم أن أحد أهم أسباب صمود المعتقلين كان تمسكهم بإيمانهم وقيمهم الدينية، التي منحتهم القدرة على مقاومة اليأس.
ويقول إن المعتقلين كانوا يتواصون بالصبر، ويستحضرون قيم التضامن والتكافل التي نشأوا عليها داخل المجتمع الصحراوي، وهو ما ساعدهم على تحمل سنوات الاعتقال الطويلة.
كما لعبت الروابط الأخوية بينهم دورًا مهمًا في رفع المعنويات، إذ كان كل معتقل يشعر بأنه مسؤول عن رفاقه، فيتقاسم معهم الألم كما يتقاسم معهم الأمل.

كرامة لم تكسرها الزنازين
ورغم سياسة التجويع والإهانات المتكررة، يؤكد بشرايا أن سلطات المعتقل لم تحقق هدفها في كسر إرادة المعتقلين.
فكلما اشتدت قسوة الظروف، ازداد السجناء تمسكًا ببعضهم البعض، وأصبح التضامن بينهم شكلًا من أشكال المقاومة اليومية داخل الزنازين.
وبقيت الكرامة، رغم محاولات الإذلال، عصية على الانكسار، لتتحول سنوات الاعتقال، في ذاكرة الناجين، إلى شاهد على قدرة الإنسان على الصمود حتى في أقسى الظروف.
وفي الحلقة الرابعة من سلسلة "شهادات من الجحيم"، نتابع رواية بشرايا أبا حازم عن الرعب الذي كانت تزرعه الأفاعي والعقارب والحشرات داخل زنازين معتقل أكدز، وكيف تحول الخوف من السجان إلى خوف دائم من الموت الذي كان يتسلل من سقوف الزنازين وجدرانها.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...