القائمة الرئيسية

الصفحات

قانون الجنسية الإسبانية للصحراويين... هل هي بارقة أمل أم سحابة صيف عابرة؟

     

بقلم: السالك مفتاح 
للمرة الثالثة خلال أربع سنوات، يعود مشروع قانون منح الجنسية الإسبانية للصحراويين إلى البرلمان الإسباني، فتعود معه موجة من التفاؤل والأمنيات. غير أن الذاكرة الصحراوية، المثقلة بخمسين عاماً من الوعود المنكثة والمواقف المتقلبة، تدفع إلى التعامل مع هذا المشروع بكثير من الحذر، بعيداً عن الانفعال أو المراهنة على ما لم يصبح بعد حقيقة.

فالقضية، في جوهرها، ليست مشروع قانون، بل تاريخ طويل من المسؤولية السياسية والقانونية والأخلاقية لإسبانيا تجاه آخر مستعمرة في إفريقيا. ومن هنا، فإن أي حديث عن "إنصاف" الصحراويين عبر منح الجنسية يظل ناقصاً ما لم يقترن أولاً باستكمال مسار تصفية الاستعمار وتمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير.

لقد أثبتت التجربة أن السياسة الإسبانية، مهما اختلفت حكوماتها بين اليمين واليسار، ظلت أسيرة حسابات المصالح أكثر من التزامات القانون الدولي. فعندما تتقاطع المصالح مع المبادئ، كثيراً ما كانت المبادئ هي أول الضحايا. ولهذا، لم يعد مستغرباً أن تتغير المواقف بين ليلة وضحاها، وأن تُطوى الوعود بمجرد تغير موازين القوى أو تبدل الحسابات السياسية.

وليس خافياً أن المغرب يمتلك أوراق ضغط مؤثرة في علاقته بإسبانيا، بدءاً من ملف الهجرة، مروراً بالتعاون الأمني، وصولاً إلى ملفات أخرى جعلت الحكومات الإسبانية المتعاقبة تفضل منطق المصالح على مقتضيات العدالة. لذلك، فإن الاعتقاد بأن مشروع القانون أصبح في مأمن من التجاذبات السياسية يبدو، على الأقل، رهاناً محفوفاً بالمخاطر.

ثم إن المشروع يأتي في ظرف سياسي داخلي معقد تعيشه إسبانيا، حيث تتعرض الحكومة الائتلافية لضغوط متزايدة، بينما يواجه الحزب الاشتراكي انتقادات وأزمات أثرت في صورته أمام الرأي العام. وفي مثل هذه الأجواء، قد تتحول القضايا الخارجية، ومنها القضية الصحراوية، إلى أوراق للمساومة أو أدوات في الصراع السياسي الداخلي.

لقد تعلم الشعب الصحراوي، عبر عقود من التجربة، ألا يقيس المواقف بالتصريحات، بل بالأفعال. فمنذ انسحاب إسبانيا من الصحراء الغربية سنة 1975، بقيت جراح الخذلان مفتوحة، وبقي الشعور بأن القوة المديرة السابقة لم تفِ بمسؤولياتها التاريخية والقانونية، بل أسهمت في تعقيد مسار تصفية الاستعمار.

وحتى إذا أُقر القانون، فإن الحصول على الجنسية الإسبانية لن يكون بديلاً عن الوطن، ولن يعوض حقاً أصيلاً في الحرية والاستقلال. فمن يلجأ إلى هذه الجنسية يفعل ذلك، في حالات كثيرة، لاعتبارات عملية أو إنسانية أو قانونية، وليس تخلياً عن هويته الوطنية أو عن حقه في إقامة دولته المستقلة.

إن المسؤولية التاريخية لإسبانيا لا تُمحى بجواز سفر، ولا تُسوّى بمنحة قانونية، ولا تُغلق بقرار برلماني. فالقضية الصحراوية ليست قضية جنسية، بل قضية تصفية استعمار لم تكتمل بعد، ومسؤولية قانونية لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن الالتفاف عليها بإجراءات قد تبدو إنسانية في ظاهرها، لكنها لا تمس جوهر النزاع.

لذلك، يبقى السؤال مشروعاً: هل يمثل هذا القانون بداية مراجعة حقيقية للموقف الإسباني، أم أنه مجرد سحابة صيف عابرة ستبددها رياح المصالح كما حدث في محطات سابقة؟
الإجابة لن تصنعها الخطب، ولا الوعود، ولا مشاريع القوانين، بل ستصنعها الأفعال، حين تثبت إسبانيا أنها اختارت الوقوف إلى جانب الشرعية الدولية، لا إلى جانب موازين المصالح.

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...