أود نشر مقتطفات من مذكرات بعنوان “عبأ الذاكرة”، كنت قد كتبتها قبل سنوات، تحكي عن الانتفاضة التي شهدتها الصحراء الغربية سنة 2005.
وبعد أن تم وأد الانتفاضة، وطُمس الكثير من معالمها، وتفرقت السبل بالمناضلين، أو على الأقل من كانت له بصمة في تلك الحقبة، ومن كانوا الأكثر حضوراً، وبعد أن تم هدم السجن الأكحل، ذلك الشاهد العاتي الجبار الذي أخفى جزءاً من المأساة، قبل ان نتفاجأ بتهاوي جدرانه عنوةً، أود أن أشارك شعبي، وكل من يهمه معرفة ما وقع، من وجهة نظر شخص ذاق القليل من تلك العذابات مقارنةً بآخرين ذاقوا، وما زالوا يذوقون، الألم والفقد والظلم إلى يوم الناس هذا.
لذلك فقد قررت نشر ما كنت أخطه في دفتري وقتها، مع بعض المعلومات التي ظلت حاضرة في ذهني، كأنني أراها الساعة.
#الفصل_الرابع
السجن الأكحل
مرة ثانية
الحلقة (1)
إنني أعود إلى المكان الذي كنت قد عقدتُ عزماً غليظاً على ألا أعود إليه مطلقاً. إلا أنني أعود إليه، على الأقل هذه المرة، من أجل غاية سامية وهدف يستحق.
وقفت سيارة الشرطة أمام البوابة الكبيرة المصفدة، وبينما أخذوا بإنزالي منها مقيد اليدين، نظرتُ إلى قرص الشمس وقد بدأ يختفي في الأفق الغربي، وقلت في نفسي: لعلها علامة على قدوم ليل طويل، الله وحده يعلم متى يمحوه الصباح.
وعبرنا البوابة، ثم اقتادوني عبر البهو الصغير. لا شيء تغيّر، وكل التفاصيل على حالها. البوابة الفولاذية نفسها، وعلى إحدى جنباتها عُلِّقت المفاتيح الصفراء الكبيرة، المصممة على مقاس شيء منيع يصعب كسره.
نفس الإجراءات السابقة! فكَّ رجال الشرطة قيودي وغادروا، فاستلمني حراس السجن. صادروا كل ما من شأنه أن يُصادر، ومضوا بي نحو العنابر.
اكتشفت أن السجن تمت توسعته عما كان عليه من قبل، بحيث إنهم استطاعوا بناء عنبرين إضافيين، في كل عنبر منهما زنزانتان، وساحة خاصة للفسحة.
وبمكر شديد استطاع حراس السجن أن يتلاعبوا بي، ويقنعوني بأنهم لا يستطيعون، بعد أن طلبت منهم أخذي إلى الزنزانة الخاصة بالسجناء السياسيين، بحجة أن الليل أوشك، وأن النظام لا يسمح بذلك، وما عليَّ إلا البقاء تلك الليلة في إحدى زنازين السجناء الجنائيين المكتظة.
وأمام هذه الفرية قبلتُ بكلامهم، فيما كان رفاقي المعتقلون قد شددوا على نفس الحراس أن هناك شخصاً يُفترض أن تُحيله المحكمة إلى السجن اليوم، وأن اسمه الوالي أميدان، فإن جاءوا به إلى السجن فليأتوا به إلينا.
لكن حراس السجن أبوا إلا أن أذوق في ذلك اليوم بعضاً من البؤس، بغضاً من عند أنفسهم.
وفي الصباح، جاء من يُخرجني من تلك العنابر المكتظة ويأخذني إلى حيث وجدت المعتقلين السياسيين الذين جاؤوا من قبلي قد حققوا مكسباً لم يشهد السجن الأكحل مثيلاً له من ذي قبل.
فقد انتزعوا من إدارة السجن أحقية جمعهم في زنزانة واحدة، وهذا تكريس جيد لمفهوم أننا معتقلو قضية ومبدأ، ولسنا سجناء على قضايا إجرامية يغص السجن الأكحل بأصحابها.
وبما أن أعداد المعتقلين السياسيين الصحراويين، في ظل الانتفاضة، قد تكاثرت بشكل لافت، فإنه بمجرد دخولي السجن والانضمام إليهم، لاحظت بشكل واضح وملموس تبلور قواعد أساسية لظهور حركة أسيرة منظمة، على أعلى ما يمكن أن يكون عليه التنظيم.
ومنذ اليوم الأول لي داخل الزنزانة رقم (4)، وهي الزنزانة التي أضحت مشهورة على مستوى السجن باسم “شومبر السياسيين”، وكان بداخلها كل من:
* حسنة الحيرش
* نفاع بوشامة
* بادة لمين
* عبد العزيز الداي
* البشير يايا
* عثمان ندور
* علوات سيد محمد
* حمادي الكرشة
* محمد سالم السلامي
* حمى أشريح
* محمود هداد
* حسنة المكي
* لحسن زريگينات
* بوعمود محمد سالم
* عمر الداودي
* عبد الرحمن بوگرفة
* سيد أحمد الموساوي
* حماد حماد
* المحجوب شتيوي
* محمد بلا
* محمد التهليل
* محمود لهويدي
* لخليفة الجنحاوي
وأنا كنت آخر معتقل ينضم إليهم، باستثناء المرأة الوحيدة ضمن مجموعتنا، وهي الناشطة الحقوقية:
* أمينتو حيدار
التي كانت تقبع في عنبر خاص بالنساء، في طرف من أطراف السجن.
وأستثني أيضاً معتقلين اثنين لم يكونا معنا داخل الزنزانة، وهما:
* محمود فاك الله
* شريف هدي
اللذان رفضا الالتحاق بالزنزانة لاعتبارات عدة، من بينها إدمانهما على المخدرات، وهذا شيء يتعارض مع أدبيات، والصورة النمطية، المفترض أن تكون في معتقلي الرأي.
لذلك ارتأيا هما أنفسهما أن يبقيا في زنازين مشتركة مع السجناء الجنائيين، درءاً لأي شبهة قد تطالنا، مع الحفاظ الكامل على حقوقهما، ومعاملتهما كسجينين سياسيين، وما شاكل ذلك.
وأظن أن هذا الاختيار كان مريحاً جداً للمجموعة بأكملها، حتى وإن لم يُظهروه للعلن.
كانت المجموعة قد شكلت عدة لجان، منها لجنة تُعنى بالحوار مع إدارة السجن، ولجنة أخرى خاصة بالإعلام.
كما كانت المجموعة تملك بعض الهواتف النقالة المهربة من الخارج، وهذه الأخيرة لعبت دوراً هاماً ومحورياً في ترتيب العمل مع باقي أفراد المجموعة في ما عداها من السجون.
وأهم ذلك على الإطلاق، التواصل بشكل يومي تقريباً مع علي سالم التامك، الذي كان ناطقاً رسمياً باسم جميع المعتقلين السياسيين الصحراويين على طول خارطة السجون المغربية.
وبرغم أننا كنا المجموعة الأكبر عدداً، إلا أن هناك مجموعات أخرى كانت تقبع في سجون متفرقة، وكانوا على الشكل التالي:
سجن آيت ملول بمدينة أكادير:
* علي سالم التامك
* الكينان هدي
* بابا العرابي
* الحافظ التوبالي
سجن عكاشة بمدينة الدار البيضاء:
* محمد المتوكل
* إبراهيم النومرية
* الحسين ليدري
* العربي مسعود
واشتهرت هذه المجموعة إعلامياً وشعبياً باسم “مجموعة 37”، ولعل الإضراب المفتوح عن الطعام الذي أعلنوه قبل التحاقي بهم بأسبوع، كان دعامة أساسية في انطلاق وشهرة اسم هذه الكوكبة من المعتقلين.
يتبع…
الولي الشيخ اميدان
