القائمة الرئيسية

الصفحات

سينما الإستديوهات وسرقة التاريخ: كيف يوظف المخزن هوليود لتبييض احتلال الصحراء الغربية

 


في وقت تتسارع فيه الترويج الإعلامي العالمي لفيلم “الأوديسة”، الضخم الميزانية ($250$ مليون دولار) للمخرج البريطاني-الأمريكي كريستوفر نولان، يتكشف النقاب عن فصل جديد ومظلم من فصول ما يُعرف بـ “الغسيل الفني”؛ حيث وظف نظام المخزن سحر الطبيعة الاستثنائية لـ “الكثيب الأبيض” (La Duna Blanca) في مدينة الداخلة المحتلة بالصحراء الغربية، لتسديد ضربة ناعمة للشرعية الدولية وتبييض جرائم الاحتلال تحت غطاء الملحمة الهوميروسية.

إن تصوير هذا الفيلم الضخم —الذي يجسد رحلة “أوديسيوس/عوليس” الشاقة للعودة إلى وطنه إيثاكا واستعادة أرضه المغتصبة— فوق رمال صحراوية تم تهجير أهلها الأصليين بقوة السلاح والنقالم، يمثل تناقضاً أخلاقياً وسقوطاً إنتاجه هوليوودي صارخ، يحول التحفة الفنية إلى مجرد أداة دعاية جيوسياسية باردة لحساب سلطات الرباط.

المأساة في الكادر: “أوديسة” نولان الزائفة مقابل “أوديسة” الشعب الصحراوي الحقيقية

تتجلى الخسة الاستعمارية في المفارقة المؤلمة التي صنعها نولان بفريقه النجمي (وعلى رأسهم مات ديمون)؛ فبينما تحاكي الكاميرات شوق البطل اليوناني للعودة إلى دياره واسترداد حقه من الغزاة فوق رمال “الداخلة” المحتلة، تعيش آلاف العائلات الصحراوية أوديسة حقيقية ومأساوية ممتدة منذ نصف قرن:

منفى ومحرقة في اللجوء: يعيش المهجرون قسراً في مخيمات تندوف للناجين من قصف النابالم والفوسفور الأبيض، صامدين في واحدة من أكثر البيئات قسوة على وجه الأرض.

جدار الفصل العنصري: يُحرم الصحراويون من أرضهم الأم بواسطة أطول جدار عسكري ملغوم في العالم (2720 كيلومتراً)، حافل بملايين الألغام المضادة للأفراد التي تحصد الأرواح وتفصل العائلات.

إن فيلم نولان ينشئ “محاكاة زائفة” للنزوح والعودة فوق رمال مغتصبة، متجاهلاً أن أصحاب الأرض الحقيقيين يعيشون الشتات الفعلي والمنع القسري من ممارسة حقهم القانوني والدولي في تقرير المصير.

آلية “الغسيل الفني” (Artwashing): شرعنة سريالية لـ “الأمر الواقع”

لم تكن استضافة الإنتاج الأمريكي بالداخلة مجرد تسهيل لوجستي، بل كانت عملية مدبرة لشرعنة الاحتلال عبر السينما؛ حيث قدم المخزن حوافز ضريبية سخية، وحماية عسكرية مكثفة، وتراخيص إدارية تُدرج هذه الأراضي المحتلة رسمياً تحت ختم “المملكة المغربية”.

وبقبول شركة Universal Pictures ونولان لهذه التسهيلات، فإنهم ينخرطون مباشرة في:

تزوير المحيط وتجريده من هويته: تُظهر الكاميرا “الكثيب الأبيض” كلوحة بيضاء وبكر “لا طعم لها”، مستبعدةً بمهارة صدمة الحصار العسكري، والقمع اليومي للأحياء الصحراوية، والاعتقالات التعسفية، والنهب الممنهج للثروات الطبيعية.
القفز على الأحكام الدولية: يتجاهل الإنتاج أحكام القضاء الدولي المتكررة، وعلى رأسها قرارات محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، والتي تؤكد جزماً وبطلان أي سيادة للمغرب على الصحراء الغربية، وتشدد على ضرورة موافقة الشعب الصحراوي كشرط مبدئي لأي نشاط اقتصادي بالإقليم.

النفاق الأخلاقي لـ “نولان”: عندما تسقط أسطورة المخرج الملتزم

يضع هذا السقوط المخرج كريستوفر نولان —الذي طالما تباهى في أفلامه (Dunkirk و Oppenheimer) بتفكيك المعضلات الأخلاقية والتاريخية والمسؤولية الإنسانية— في مواجهة حقيقية مع مباذخ النفاق الغربي:

لا يمكن لمخرج بهذا الحجم ادعاء الجهل بالوضع القانوني لـ “آخر مستعمرة في إفريقيا”؛ فالتعاون مع نظام احتلال يستغل الفن لتثبيت الضم القسري هو موقف سياسي صريح واصطفاف مع المستبد.
تحول الفن من مساحة للحقيقة والتضامن مع المظلومين إلى “أفيون وظيفي” يُخدّر الوعي العالمي ويغسل دماء الضحايا برداء السجاد الأحمر المذهب.

شباك التذاكر كصوت مصادقة على الاستعمار

إن شريط “الأوديسة” الصادر في القاعات العالمية ليس مجرد فيلم سينمائي للتسلية، بل هو وثيقة تزييف جغرافي وتاريخي؛ وكل تذكرة تُباع لمشاهدته تعادل —صراحةً— صوتاً صامتاً لصالح تكريس الاستعمار وعرقلة العدالة.

إن السينما التي تُصوَّر فوق جراح الشعوب وتصادر حريتها تستوجب المقاطعة والتنديد الحقوقي والثقافي الدولي؛ فالجمال التقني لهوليوود لن يفلح في تبييض السجون المفتوحة، ولن يستطيع محو اسم الصحراء الغربية من الذاكرة الإنسانية، حيث سيظل الشعب الصحراوي يكتب أوديسة حريته الحقيقية بدمائه وصموده حتى العودة الناجزة إلى دياره السليبة
المصدر: دزاير توب

إذا أعجبك محتوى الوكالة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد الاخبار السريع ليصلك الجديد أولاً بأول ...