لم يعد مشهد الجريمة في مدينة العيون المحتلة حدثًا استثنائيًا، بل أصبح، في نظر العديد من المراقبين الدوليين والحقوقيين الصحراويين، أحد أبرز ملامح واقع فرضته عقود من الاحتلال المغربي، الذي يقولون إنه لم ينجح في توفير الأمن والاستقرار، بقدر ما أفرز أزمات اجتماعية واقتصادية متراكمة ألقت بظلالها على حياة الشعب الصحراوي.
فبينما تواصل سلطات الاحتلال الترويج لصورة "الاستقرار والتنمية"، تكشف الوقائع اليومية عن واقع مختلف، تتصدره الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وانتشار البطالة والفقر، والمخدرات والمؤثرات العقلية، وتزايد مظاهر الجريمة والعنف، في ظل سياسات ممنهجة استهدفت تفكيك المجتمع الصحراوي وإضعاف مقوماته الاقتصادية والاجتماعية، بالتوازي مع تكريس الاستيطان والتغيير الديمغرافي.
وفي أحدث تجليات هذا الواقع، استفاقت العيون المحتلة، صباح يوم الإثنين، على وقع جريمة مروعة بعد العثور على جثة شابة بمنطقة ضفاف وادي الساقية الحمراء، بالقرب من القنطرة القديمة، وقد أُخفيت داخل كيس بلاستيكي في مشهد صادم أثار موجة من الغضب والقلق بين السكان.
ولا ينظر كثير من الصحراويين إلى هذه الجريمة باعتبارها حادثًا معزولًا، بل يرونها امتدادًا لمسار متصاعد من الانفلات الأمني، الذي تجلت مظاهره، في تنامي جرائم القتل والاعتداءات وتوسع شبكات الاتجار بالمخدرات، في وقت يكون فيه الاحتلال واجهزته الأمنية جزء رئيسي في الأسباب العميقة لهذه الظواهر.
ويؤكد حقوقيون صحراويون أن الاحتلال لم يقتصر على السيطرة على الأرض، بل امتد إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية للمدينة، عبر سياسات التهميش والإقصاء، وتقييد الحريات، وتشجيع الاستيطان، وتهجير الشباب الصحراوي وهو ما انعكس سلبًا على الواقع المعيشي للسكان الأصليين، وأوجد بيئة اجتماعية هشة تتفاقم فيها مظاهر الفقر واليأس والجريمة.
ويرى مراقبون أن المفارقة تكمن في أن العيون المحتلة، التي تزخر بثروات طبيعية هائلة من الفوسفات والثروة السمكية وغيرها من الموارد، لا ينعكس ذلك على حياة جزء من سكانها، الذين يقولون إنهم يواجهون البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة والتهميش، بينما تستمر عمليات استغلال الموارد بعيدًا عن استفادتهم المباشرة.
وتعيد الجريمة الأخيرة إلى الواجهة تساؤلات متزايدة حول الأوضاع الإنسانية والاجتماعية في المناطق المحتلة من الصحراء الغربية، في ظل مطالب متكررة من منظمات وفعاليات صحراوية بتمكين الهيئات الدولية المستقلة من الوصول إلى الإقليم، ورصد أوضاع حقوق الإنسان والواقع الاجتماعي بعيدًا عن القيود التي يفرضها الاحتلال المغربي.
وبالنسبة لكثير من الصحراويين، فإن ما تعيشه العيون المحتلة اليوم ليس مجرد أزمة أمنية عابرة، بل هو انعكاس لواقع أوسع يرون أنه نتاج استمرار الاحتلال، وأن معالجة مظاهر الجريمة والانهيار الاجتماعي تظل، في نظرهم، مرتبطة بمعالجة جذور النزاع، وتمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال، وفق قرارات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي.
.jpeg)